الصفحة 37 من 156

ويمضي الخطاب قائلا: (( ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوي البشر. ولا تبلغه قدرهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته [1] ) .

ومن بين من قال بإعجاز القرآن بالنظم أبو هلال العسكري (ت 395 هـ) وشاهد لك قوله في (( الصناعتين وإنما يعرف إعجاز القرآن من جهة عجز العرب عنه وقصورهم عن بلوغ غايته. في حسنه وبراعته، وسلاسته ونصاعته. وكمال معانيه وصفاء ألفاظه [2] وبهذا القول ومما سبق ذكره عن أبي هلال نري أنه يقرر إعجاز القرآن في بلاغته المتميزة بالنظم البديع، وحسن التأليف وجودة التركيب، ولم يذكر أن أبا هلال ألف كتابًا خاصًا عن إعجاز القرآن، وإنما قيد الوصول إلى إدراك علم البلاغة والفصاحة بالوصول إلى إدراك أسرار إعجاز القرآن الكريم، وهذا ما قدم به كتابه الصناعتين [3] ) .

وعبر تلك الجولة السريعة نلتقي بالقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني ورأيه في الإعجاز بالنظم.

لقد كان من جليل مؤلفات ها العالم كتابه (( إعجاز القرآن ) )والإعجاز بالنظم عنده يرجع إلي وجوه منها:

ما يرجع إلى الجملة، (( وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه. واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظم جميع كلام الناس، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم ) ).

ومنها: (( إن له أسلوبًا يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتادة ) ).

ومنها اشتماله على الفصاحة والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة من غير اختلاف. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } ، ويتضح هذا الوجه من أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت، ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من قصص ومواعظ، واحتجاج وحكم، وأحكام وأعذار وإنذار ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف. في الوقت الذي تري فيه اختلاف كلام الخطيب المصقع، والشاعر المفلق. على حسب اختلاف هذه الأمور .... ويمضي الباقلاني في استقصار الأدلة على إعجاز القرآن بالنظم فيقول: (( ومنها نظمه البديع الذي وقع موقعات في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن والإنس .. فالجن يعجزون عن الإتيان بمثله كعجز الإنس، ويقصرون دون بلاغته كقصور الإنس تمامًا بتمام ) )وهذا الوجه قد سبق إليه الباقلاني. ولكنه أربي على من سبقه بإيراد الأدلة من القرآن الكريم ومناقشتها وعرض المقارنات الكثيرة في ذلك. بل قد فصل القول في نظم سورتي غافر وفصلت وبين دلالته على

(1) انظر ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للروماني والخطابي وعبدالقاهر ص 24, 25. تحقيق محمد خلف الله والدكتور محمد زغلول سلا.

(2) انظر مبحث العناية بالدراسات القرآنية في هذا المبحث.

(3) انظر مقدمة الصناعتين لأبي هلال ص 7 تحقيق علي البجاوي وأبي الفضل إبراهيم مطبعة الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت