الصفحة 36 من 156

تمجه الآذان. وغضًا لا يخلق على كثرة الترداد. وعجيبًا لا تنقضي عجائبه. ومفيدًا لا تنقطع فوائده ... وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه [1] .

ها ملخص بعض أقوال ابن قتيبة في الإعجاز بالنظم، ولم يزل الميدان فسيحًا لغيره فهذا الرماني (ت 386 هـ) في رسالته النكت في إعجاز القرآن يفصح عن رأيه قائلا ضمن باب عقده تحت عنوان (( باب التلاؤم ) ): (( التلاؤم نقض التنافر. والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف. والتأليف على ثلاثة أوجه: وذلك بين لمن تأمله والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد يظهر بسهولته على اللسان، وحسنه في الأسماع وتقبله في الطباع. فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الإعجاز ) ).

ويقول الرماني وهو يناقش الوجوه التي ذكرها في الإعجاز: إن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة. منها الشعر، ومنها السجع. ومنها الخطب، ومنها الرسائل، ومنها المنشور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأني القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة [2] ).

وقد ساق الرماني مقارنة بين قول الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وبين القول المأثور عن العرب: (( القتل أنفي للقتل ) )وهذه المقارنة من صميم قوله بالإعجاز بالنظم.

وبعد الروماني نلتقي بأبي سليمان حمد بن إبراهيم الخطابي (ت 388 هـ) في رسالته: بيان إعجاز القرآن لنقف على رأيه في الإعجاز بالنظم.

قال بعد أن عدد بعض وجوه الإعجاز التي ذهب إليها بعض العلماء: (( إن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ) )... إلى آخر ما ذكره عن أوصاف الكلام المحمود، والكلام المذموم وبعد ينفذ إلى القول بإعجاز بالنظم على حد قوله:

(( ولا تري نظمًا أحس تأليفًا، وأشد تلاؤمًا ونشا كلا من نظمه .... فتفهم الآن، واعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنًا أصح المعاني من توحيد الله عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها. واضعًا كل شيء في موضعه الذي لا يري شيء أولى منه، ولا يري في صورة العقل أمر أليق منه. مودعًا أخبار القرون الماضية.

(1) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 10, ورسالة في الإعجاز للدكتور مصطفى مسلم ص 72.

(2) انظر النكت في إعجاز القرآن للروماني ص 87, 88 وما بعدها تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام مطبعة دار المعارف بمصر ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للرماني والخطابي وعبد القاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت