وتأمل التعبير بصيغة {تَغِيضُ} و {تَزْدَادُ} وصيغي: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} من قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } أي ألفاظ أوفي أداء المعنى من (( تفيض وتزداد ) ).
لِمَ لم يأتي التعبير: بتنقص بدل (( تغيض ) )وبتنمو بدل (( تزداد؟ ) )تأمل بإمعان أن خلقة الجنين في الرحم متوارية ممعنة في الخفاء عن الأنظار لا يعلم أحد من البشر كنه هذه الخلقة، وما يعتر بها من تقلبات إلى الله خالق كل شيء. ولفظة (( تغيض أكد في أداء المعنى، وأبعد في الإحاطة مما يجري للجنين. من التعبير (( بتنقص ) )توحي بذلك حروف )) تغيض المضفية صفة الجزالة على اللفظ، أما التعبير (( يزداد ) )فليس هنا لفظة أليق منها بمكانها لأن التأمل قد يلمس من وراء مدة الجنين بعد طولها ما يعينه على رعاية الحمل والتلطف في الإشراف على الجنين وعلى أمه حتى يزداد سلامة كلما ازداد خلقه.
وأما قوله: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } فليست هناك ألفاظ أجزل. وأفخم وأمعن في التدرج بوصف الذات العلية، بالكبرياء، والعلو المطلق منهما، ولا يستطيع أحد أن يقول شيئًا عن لفظة (( المتعال ) )إلا أن يفسرها بها وكفي.
وتأمل لطائف التعبير بلفظة {مُسْتَخْفٍ} دون مختف، وسارب دون ذاهب أو سائر ذلك لما تحمله لفظة (( مستخف ) )من كثافة في المعنى على أكمل وجه تقصير دونه لفظة مختف، أو يختفي. ولا شك أن الزيادة في المبني تدل على الزيادة في المعنى.
ومما يستوقف المتأمل مقابلة (( مستخف يسارب تلك اللفظة التي بظلها تعطي زيادة في المعنى على مبناها، فظلها ظل خفاء، أو قريب منه ولكن الحركة فيها هي المقصودة في مقابل الاستخفاء ... ) )فتم التقابل العجيب الذي يدركه كل من يملك أدنى ذوق بأجواء التعبير يضاف إلى ذلك إيثار القرآن الكريم لهذه الألفاظ العالية التي لم تبتذلها ألسنة عامة أصحاب اللغة.
وانظر لحسن التناسب بين الألفاظ في قوله: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) } وراع حسن الجوار بين لفظة (( شديد ) )ولفظة المحال وقوة الترابط بينهما، إذ لما كانت لفظة (( المحال ) )توحي بالقوة في مدلولها ومعناها، تقدمتها لفظة ملائمة لهذا المدلول فجاء التعبير (( شديد ) )دون عسير أو شاق مثلا، وهذا كله عن الألفاظ مفردة فكيف بأسرار النظم في التركيب؟
وإذا كان هنالك خلاف في تقدير اللبنة الأولى في العمل الأدبي. وأعني بها اللفظة المفردة بين عبدالقاهر وغيره من النقاد الذين أشرنا لم إلى آرائهم فيما سبق. فإننا لا نجد أثرًا لهذا الاختلاف في مزية التركيب، أو التأليف. أو النظم الذي تضم فيه اللبنات بعضها إلى بعض حتى تفيد الغرض الذي من أجله تصاغ العبارة. فإن أولئك الذين أشدوا باللفظة المفردة لم يستطع واحد منهم أن ينكر فضل