الصفحة 50 من 156

(( الآيات ) )من قوله تعالى: (( يفصل الآيات ) )ذلك لأن التدبير يكون في شأن واحد، والتفصيل يكون في أكثر من شأن ولذا جاء المفعول في السياق الأول بلفظ المفرد، جاء المفعول في السياق الثاني بلفظ الجمع. بالإضافة إلى التغير حتى لا يسير الكلام على نمط واحد لأن هذا التعبير مدعاة لنشاط القارئ والسامع. واستمع لقول الحق جل ثناؤه: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} .

وتأمل ذلك التعبير البديع بلفظ مد. وجعل. ويغشي، فتلك ألفاظ سهلة في مبناها قوية في معناها، والذي يسترعي النظر هنا هو إيثار التعبير (( بمد ) )دون بسط. أو وسع أو دحا أو خلق. أن في اختيار (( مد ) )على غيرها من مرادفتها للدلالة على بعد أقطار الأرض وسعتها، ودلالة على قدرة الله على تذليلها لكافة المخلوقات، ولا يؤدي تلك المعاني لفظ أشمل من (( مد ) )كبسط ونحوه مما ذكر إذ قد يترائي للسامع أن البسط، أو التوسعة كانا في جهة دون أخرى.

ولكن لما قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} دلنا هذا النظم على عظم القدرة على خلقها وبسطها من جميع جهاتها. وألاحظ الفعل (( جعل ) )وما تضفيه ظلاله على معنى الإيجاد الذي لا يعجز الله وقوعه في أي وقت وفي آية بقعة من الأرض بل هو أهون عليه، وافطن للفظة (( كل ) )في قوله: تعالى: {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} وتأمل ما تحمله تلك الصيغة من الدلالة على العموم المطلق بجانب الفعل (( جعل ) )الذي لم يحدث تكراره خدشًا في تناسق الآية، بل جميع الألفاظ جاءت رتيبة الجرس. والإيحاء في تناسق بديع مع لفظة (( مد ) )السابقة عليها. ثم تدبر لفظة (( يغشي ) )كيف لاءمت موقعها إذ جاءت بجانب لفظة (( الليل ) )لما توحي به حروفها من معنى للظلمة فهي غشاء سائر لضوء النهار.

واستشعر بديع تلك الصورة العجيبة التي رسمتها ظلال الألفاظ التالية من قوله تعالى: {قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} .

والذي يعنينا هنا هو الوقوف على الألفاظ. كيف التأمت، وتناسقت؟ وأما الكلام على الجانب التصويري فسيأتي مفصلًا في موضوع آخر من هذا الدراسة.

تأمل لم وصفت هذه القطع (( متجاورات ) )؟ ولم يقتصر على ذكر الأعناب من بين سائر صنوف الفواكه؟ ثم لم الجمع في لفظ جنات وأعناب والأفراد في لفظ (( زرع ) )والجمع في لفظ (( النخيل ) )؟ إنه نظم بديع محكم نسخ إطاره من ألفاظ ذات رصف عجيب، فلفظة جمع بجوار أختها، وبينهما مفرد لم يبغ حولا عن مكانه، ولم ينب عن قرينه، ناهيك بسر الاقتصار على لفظة (( أعناب ) )واختيارها على غيرها من سائر أنواع الفواكه ففي ذلك إيماء إلى أن من عنده أدنى تفكر لا بد أن ينظر إلى هذا اللون من النعم، في حجمه وطعمه، وشكله الشفاف، الذي يحمل قطرة من الماء ثم يصبح من أشهي ما يتناوله البشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت