وخذ من الآية أيضا لفظة (( ترونها ) )لم عبر بها دون تنظرونها أو تشاهدونها ذلك لأن صيغة (( ترونها ) )تحمل معنى الرؤية الكاملة التي لا يحجها ما يبدد النظر يمنة ويسرة لو جاء التعبير (( يتنظرونها ) )أو (( تشاهدونها ) ). وإنما الرؤية هنا مسلطة على ملكوت السماات للتدبر، والتفكر، وللجمع بين الرؤية الحسية والرؤية العلمية المؤدية إلى اليقين، ولا يفي بهذا المعنى لفظ (( تنظرونها ) )أو (( تشاهدونها ) ).
هذا الإضافة إلى ما تتسم به لفظة (( ترونها ) )من رقة وسلاسة وسماحة ومثل هذه الصفات مقطوع بوجودها في ألفاظ القرآن مع صفات الفخامة والجزالة. والقوة. فالبحث عنها تحصيل حاصل. وإنما المهم البحث عن الأسرار التي بها صار القرآن مستجمعًا لتلك الصفات كلها.
وإليك لفظة أخرى في سياق آخر تلك صيغة (( سخر ) )من قول الحق سبحانه وتعالى: (( وسخر الشمس والقمر الآية ) ).
إنها لفظة موحية بالقوة والعظمة من خلال ظلالها وبنيتها إذ جاءت بلفظ الماضي المضعف، فهي كبيرة في مدلولها، قوية في بنيتها ذلك بجانب الحديث عن آيتين كبيرتين عظيمتين، هما الشمس والقمر فاختير التعبير بها على غيرها مما يؤدي معنى (( التسخير ) ) (( كأمر ) )، أو (( جعل ) )أو (( ذلل ) )لأن الآية هنا ترسم مشهدًا عظيمًا فيه منافع جليلة لعموم المخلوقات، ومثل هذه المنافع مجتمعة تقصير في أدائها لفظة أمر. أو جعل. أو ذلل. فأنت تلحظ في آية أخرى حيث كان الحديث عن نعمة واحدة هي الإضاءة وتبديل الظلمة العتمة، أنه كفي في هذا المعنى ما هو دون التسخير مبني ومعنى ذلك هو لفظ (( جعل ) )من قوله تعالى: (( وجعل القمر فيهن نورًا، وجعل الشمس سراجًا ) )وإذا أنت أنعمت النظر في لفظة سخر وجدت أنها سيقت للحديث عن نعم كثيرة تفيدها الشمس والقمر مسخرين من عند الله ففي الشمس وطاقتها الحرارية منافع للإنسان والحيوان والنبات وفي القمر زينة للكون وتبصير الناس بضبط المواقيت والحساب وفيهما معًا دلالة لمن أراد التفكر في ملكوت الكون تدعو إلى الإيمان بخالقه ومبدعه وفي الإيمان طمأنينة لنفس المؤمن في الحياة الدنيا وثواب من الله في الحياة الأخرى ومن ذا الذي لا يطمع في الحصول على تلك المنافع؟ ومن ذا الذي ليس بحاجة إلى منافع الشمس والقمر تلك المنافع التي لم يف في التعبير عنها لفظ غير صيغة سخر.
ونمضي الآن مع الآية الكريمة بحثًا عن الألفاظ كيف اتسقت وعلى أي هيئة جاءت، إليك قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ} إنك إزاء صيغتين لفعلين مضارعين هما يدبر ويفصل وفي التعبير بهما على تلك الهيئة ما يفيد التجدد والحدوث والاستمرار لأن تسخير الشمس والقمر وما يجري معهما في العالم العلوي وما يفيد منها العالم السفلي كل ذلك في حركة دائبة ونهي وتدبير لا ينقطع ولا يفتر مع طول الزمن وتعاقب الأيام وأعظم من ذلك مجيء الفعل (( يدبر ) )يليه لفظ مفرد هو مفعول له. وهو لفظة (( الأمر ) )من قوله تعالى: (( يدبر الأمر ) )ثم يجيء الفعل (( يفصل ) )وبعدها مفعول به جمع، وهو