الصفحة 48 من 156

عند الكلام على مدلول تلك الحروف التي بدئت بها بعض سور القرآن فتراهم يصرون على ذكر هذه العبارة (( الله أعلم بمراده بذلك ) )تجنبًا لمزالق الاجتهاد. ومن هنا لا نؤثر رأيًا على رأي مما قالوه بل نظم أنفسنا إلى أولئك الذين بالغوا في الاحتياط فقالوا الله أعلم بمراده.

بعد هذه اللمسات حول فاتحة السورة، نمضي مع الآيات متفحصين المفردة القرآنية في كل آية مما ذكرنا، لمنظر مدي ما تميزت به من جمال وقعها في السمع، واتساقها الكامل في السياق، واتساع دلالتها لما لا تتسع له عادة دلالات الكلمات الأخرى .. بل إننا بحاجة ماسة إلى التريث والتدبر فلعلنا ندرك شيئًا من سر إيثار لفظة على أخرى، ووجه ارتباطها بما قبلها وبما بعدها.

فلنأخذ مثلا لفظة (( أنزل ) )من قوله تعالى: {وَالَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} ، ولتتأمل مخارج حروفها في القرب والبعد، كيف جاءت بهذا التناسق في الإيحاء بأمر المنزل؟ الذي أضفي على جلاله قدره، وعلو مكانته بناء تلك اللفظة للمجهول!! وأضف إلى تلك اللفظة ما بعدها من ألفاظ في قوله تعالى: {إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} وتأمل تلك الإضافة إلى ضمير المخاطب في لفظة (( ربك ) )ففي ذلك تكريم لمحمد صلى الله عليه وسلم. وسمو بعبوديته لله وحده، وانظر إلى تعريف (( الحق ) )باللام، ثم محبوه ختامًا لأمر المنزل وهو القرآن، وراع لفظة (( يؤمنون ) )في آخر الآية. ما بالها اختيرت على (( يعقلون، أو يتفكرون ) )؟ ما ذاك إلى أن الإيمان بهذا وبمن نزل من عنده، وبمن نزل عليه هو مطلب الآية الكريمة. وفي الذروة من هذا الإيمان المطلوب، الإيمان بالله خالق كل شيء. وإذا حسن اختيار (( يؤمنون ) )على غيرها مما ذكر وتخير ما شئت من لفظ في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر .. )) الآية (( وأطلق لنفسك العنان للحديث عن تلك الألفاظ ووظائفها وسماتها تجدك لا تبلغ معشار ما تحدثت عنه من مدلول ومعنى ) ).

إليك لفظة (( رفع ) )تأمل لم أوثر التعبير بها على سمك أو بني أو أسس ما ذاك إلا لأجل تكامل الصورة العجيبة التي رسمتها الآية عن مشهد هائل في العلو ولفظة رفع ينطوي تحتها معنى السمك والبناء والتأسيس فهي أشمل وأوسع في المغني وأليق في وصف هذا البناء المحكم الذي تتراء في كنهه العظمة معبر عنها ظلال رفع لابني أو أسس أو سمك، ولا سيما وقد ذكر معها في السياق لفظ الجلالة (( الله ) )على حد قوله سبحانه: (( الله الذي رفع السماوات ) )وهكذا يمكن إيثار لفظة على الأخر في السياق القرآني فأنت ترى التعبير مثلا بلفظة (( بني ) )جيء به في موضع آخر من غير أن يذكر معه لفظ الجلالة كما قال تعالى في سورة ق: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} .

وفي سورة الذاريات: (( {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) } )).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت