الصفحة 47 من 156

السمع يمر دون أن يحرك في النفس ساكنًا أو يوقظ في الفكر نائمًا أو ينبه به غافل فإذا طرق السمع جديد غير مألوف في أساليب الكلام تحرك الساكن وتنبه الغافل.

ومن هنا فقد جاءت فاتحة سورة الرعد من تحقيق التنبيه التام بما لا يزيد عليه )) وقل مثل ذلك في السور الأخرى التي نهجت هذا المنهج من الفواتح وذكروا أن الحروف المقطعة التي ابتدأت بها بعض السور: (( بيان لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ودليل ذلك أن السور المفتتحة بالحروف المقطعة يذكر فيها دائما الانتصار للقرآن الكريم وأنه الحق الذي لا شك فيه وأنه الكتاب المعجز وغيره دونه.

فهذه سورة البقرة افتتحت بألف، لام .. ميم. وبعدهن يأتي قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) } ، وهذه سورة آل عمران والأعراف ويونس وهود وهذه سورة الرعد: ألف. لام. ميم. را. وبعد تلك الحروف يأتي قول الله تعالى: {تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} ومما نلحظه في فاتحة سورة الرعد (( وإنها بدأت بحروف من جنس ما ورد فيها. وهذا البدء آية في التناسب. بل لقد ختمت حروفه فاتحتها بحروف الراء وفي هذا تحقيق للتناسب التام في جو السورة العام الذي كثيرًا ما يضطلع به هذا الحرف كما في ذكر البرق والرعد ) ) (( ورفع السماوات بغير عمد وبسط الأرض وبث الثمرات وجريان الأنهار ) ).

قال أحمد بن فارس: وأقرب القول في ذلك وأجمعه قول بعض علمائنا أن أولي الأمر نجعل هذه التأويلات كلها تأويلا موحدا فيقال: إن الله افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لا على معنى واحد فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحًا للسور وأن يكون كل واحد منها مأخوذًا من اسم من أسماء الله تعالى، وأن يكون الله جل ثناؤه قد وضعها هذا الموضع قسما بها وأن كل حرف منها في آجال قوم وأرزاق آخرين، وهي مع ذلك مأخوذة من صفات الله جل وعز في أنعامه وأفضاله ومجده وأن الافتتاح بها سبب لأن يستمع إلى القرآن من لم يكن يستمع، وأن فيها إعلامًا للعرب أن القرآن الدال على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو بهذه الحروف المتعالمة بينهم دليل على كذبهم وعنادهم وجحودهم وأن كل عدد منها إذا وقع في أول سورة فهو اسم لتلك السورة وهذا هو الجامع للتأويلات كلها من غير إطراح لواحد منها، وإنما قلنا هذا لأن المعنى فيها لا يمكن استخراجه عقلا من حيث يزول به العذر ولأنه المرجع إلى أقاويل العلماء ولن يجوز لأحد أن يعترض عليهم بالطعن وهم من العلم بالمكان الذي هم به ولهم مع ذلك فضيلة التقدم ومزية السبق والله أعلم، بما أراد من ذلك )) .

ومن جملة ما قالوه عن فواتح السور. بحروف الهجاء أنها أسماء لسورها وهي سر القرآن وهي مما استأثر الله بعلمه. إلى أهم ما قالوه وأن كان لا يعدو أن يكون اجتهادًا، ولذلك نجد أكثرهم يتحرزون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت