الصفحة 46 من 156

الحروف، أو صورة من الصور، ولذلك يجد الباحث نفسه مضطرًا إلى أن يجتزئ بالقليل ليدل على الكثير. وكما قيل (( حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق ) ).

ولذا سنتعرض لخصائص نظم تلك الألفاظ والحروف في طائفة من آيات السورة الكريمة، متفحصين كيف التحمت لبنات هذه الآيات؟ انتظم من مجموعها ذلك العقد الفريد في أجمل صورة حية كل ذرة في خليتها وكل خلية في عضوها، وكل عضو في جهازه؟ حتى يبرز اللفظ وقد أخذ مكانه المقسوم وفق خط مرسوم.

فإن دراسة أي نص قرآني تتطلب الوقوف عند لبناته الأولى التي هي المفردات، لتبين مدى الإصابة في اختيارها، ومدى تمكنها في موضعها من جملتها وقوة ربطها بأخواتها. (( وكلما ازداد الدارس تعمقًا في فهم النص القرآني، واستجلائه لابد أن يقف أمام جلال القرآن الكريم ليدرك معه لماذا أعي العرب وهم أصحاب اللسن والبيان عن الإتيان بسورة من مثله.

والآن لنتتبع الآيات من قوله تعالى: {المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) } . إلى قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} .. الآية )) .

ولنقف أمام جلال تلك الألفاظ وروعتها، ولنلحظ أن أول ما يطالعنا في بدايتها تلك الفاتحة العجيبة {المر} التي لم يزد أن قال العلماء عنها، وعن غيرها من فواتح السور بمثلها أنها سر هذا القرآن، وهي مما استأثر الله بعمله.

وحول فواتح السور ذكروا: أن جملتها عشرة أنواع من الكلام منها: (( الثناء على الله سبحانه ) )كما في سورة الكهف: {الحمدلله الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) } والأنعام وغيرهما مما ابتدئ بهذا النوع ومنها الاستفتاح (( بالنداء ) )كيا أيها المزمل، ويا أيها المدثر، والاستفتاح بالجمل الخبرية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} ، {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّه} ، {أَتَى أَمْرُ اللَّه فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} ، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } الاستفتاح بالقسم {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} ، {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) } ، {وَالطُّور} ، {وَالنَّجْمِ} ، والاستفتاح بحروف الهجاء كما في سورة البقرة وآل عمران، والقصص، والنمل، ومريم، والرعد وغيرهن إلى آخر ما ذكروه عن جملة هذه الأنواع، وأحصوه )) ولم يكتفي بعضهم بالقول عن حروف الهجاء أنها سر هذا القرآن، أو هي مما استأثر الله بعلمه بل كثر حديثهم عنها وهذه طائفة من الأقوال التي ذكروها قالوا: (( إن الحروف المقطعة في أوائل السور بمثابة أدوات التنبيه والغرض من استعمال هذه الحروف إثارة انتباه السامع إلى ما يراد إلقاؤه إليه.

وإذا نظرنا في فاتحة سورة الرعد. ألقينا أربعة أحرف هي الألف واللام والميم. والراء. ولا شك أن مثل هذا الاستعمال أكثر لفتًا للنظر وإثارة الانتباه مما جرت العادة باستعماله وذلك أن المألوف على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت