أولئك الذين يجعلون للألفاظ المفردة ذلك الاعتبار إذا لا بد من مراعاة اللفظة المفردة بأجراسها، ومقاطع حروفها، والدقة في انتقائها، ومراعاة توافر الحسن في جميع جزئياتها ومن ثم طريقة وضعها في الترتيب بحيث تتلاءم مع ما قبلها وما بعدها ولا نقلل من قيمتها على حساب النظم، لأن الألفاظ هي اللبنات الأولى اللاتي بهن تتكون الجملة وشبه الجملة في تأدية المعنى المراد وكذلك نعطي الجملة قيمتها من حيث مراعاة حسن الجوار ووضع كل جملة بجانب أختها ونعطي المعنى قيمته حيث لا غموض ولا إبهام ولا تعمية ولا ألغاز.
إذا تبين لنا المزية في النظم وأنه لا بد مراعاة الدعائم التي يقوم عليها وهي اللفظ مفردا ًوالجملة مركبة والمعنى مسوقًا. فلنطبق تلك المزية ولنستظهر بعض أسرار هذا النظم وعناصر في سورة الرعد تلك السورة التي آثرنا أن تكون محور الدراسة في هذا البحث. (( والتي من أهدافها غرس عقيدة التوحيد في النفوس. وانتزاع ما يخالف تلك العقيدة من الضمير والدعوة إلى العمل الصالح المكون للإنسان المهذب الكامل، الناهض بالجماعة بسن شريعة الإسلام من عند الله ) ) [1] ونخلية طبيعة النبوة والرسالة )) . مطوفة بالقلب البشرى في مجالات وآفاق وأبعاد وأعماق إذ تعرض الكون كله في شتى مجالاته في السماوات المرفوعة بغير عمد، والأرض المبسوطة وما فيها من حركة وسكون كل ذلك لا فرار عقيدة التوحيد في النفوس.
وهي من أعاجيب السور القرآنية التي تأخذ في نفس واحد وإيجاز واحد من بدياتها إلى نهايتها، تفعم النفس وتزحم الحسن بالصور والظلال والمشاهد والخوالج [2] ) وهي سورة مكية غير آيتين هما قول الله تعالى: (( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) )وقوله تعالى: (( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) )فإنها مدنيتان وعدد آياتها خمس وأربعون وقيل ثلاث وأربعون وعدد كلماتها ثمانمائة وخمس وخمسون كلمة وعدد حروفها ثلاثة آلاف وخمسمائة وستة أحرف )) [3] .
وكان من واجبنا في هذه الدراسة المتخصصة لهذه السورة الكريمة أن نلم ببديع نظمها وعجيب تركيبها ومحكم فواصلها ورائع صورها لولا أن تتبع ذلك كله واستقراءه لفظًا لفظًا وتركيبًا تركيبًا وفاصلة وفاصلة وصورة صورة من الآمال البعيدة عن طوق البشر، إذ أنه لا تكفي فيها الإشارات السريعة، أو اللمحات الخاطفة، ولكنها تحتاج إلى النظرة العميقة، والفحص الدقيق عن كل حرف من
(1) انظر من بلاغة القرآن لأحمد أحمد بدوي ص 230 الطبعة الثانية. مطبعة نهضة مصر.
(2) انظر ظلال القرآن لسيد قطب المجاد الخامس ط بيروت ص 63, 4 غ, 110.
(3) انظر تنوير المقاس من تفسير ابن عباس لأبي طاهر محمد بن يعقوب الاستر ابادي.