الصفحة 44 من 156

الشجر ويميل إليها. ويكره صوت الغراب وينفر منه، كذلك يكره نهيق الحمار، ولا يجد ذلك في صهيل الفرس.

ويستمر ابن الأثير في الشوط إلى مداه في حسن الألفاظ المفردة وقبحها، وير أن لفظة (( المزنة ) ) (( والديمة ) )حسنة يستلذها السمع، وأن لفظة البعاق قبيحة يكرهها السمع، وهذه اللفظات الثلاث من صفة المطر وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي (( المرنة ) (( الديمة ) )وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكًا لا يستعمل. وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة. أو من كان غير ذي ذوق سليم [1] .

وإذا كان هذا الاتجاه نحو تقدير اللفظة المفرد، والحكم عليها بمقتضي الحروف التي تألف منها، وجرس أصواتها على السمع. أي جعل الكلمة المفردة ذات خصائص ذاتية تجعلها حسنة أو قبيحة .... إذا كان هذا يمثل رأي طائفة كبيرة من النقاد والعلماء فإن هناك رأيًا مقابلا لهذا الرأي. هو رأي عبدالقاهر الجرجاني (ت 471 هـ) الذي يصرح (( بأن الكلمة المفردة لا قيمة لها قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي يفيد بها الكلام غرضًا من أغراضه في الأخبار، والأمر والنهي، والاستخبار. والتعجب. وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة. وبناء لفظة على لفظة، وليس بين اللفظتين تفاضل في الدلالة حتى تكون أحداهما أدل على معناها الذي وضعت له من الأخرى [2] ) .

وليست العبرة عند عبدالقاهر باللفظ في ذاته، وإنما العبرة بالنظم، ودليل ذلك قوله: (( فقد اتضح إذًا اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي يليها، أو ما أشبه ذلك مما ليس له تعلق بصريح اللفظ، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر .. ) ) [3] .

ولا شك أن تعصب عبدالقاهر لفكرة النظم التي اعتنقها وشرحها في كتابيه (( أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز ) )على ذلك النحو الذي أشرنا إليه من الآراء الجيدة في تقدير حسن الكرم، فإننا لا نستطيع أن جحد قيمة اللفظة في ذلك النظم، والذي هو ضم كلمة إلى كلمة، ولا نجحد أن اللفظ الجميل يزداد جمالا بحسن موافقة لما جاوره من الألفاظ، وهذا التجاوز هو الذي يكشف عما فيه من جمال ويبين عن صفات الحسن الكامنة فيه، ولا نستطيع أن نقر عبدالقاهر على كل ما ذهب إليه، وكذلك نختلف وع

(1) المصدر السابق ص 273.

(2) انظر دلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجاني ص 35 التأثير محمد رشيد رضا.

(3) انظر دلائل الإعجاز لعبدالقاهر ص 33 طبعة المراغي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت