الحمدلله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا. والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابًا مبينًا بأفصح لسان وأعذب بيان.
ونسألك اللهم عونًا وتوفيقًا فيما نحن بصدده من النهوض بهذا العمل العلمي في خدمة كتابك الكريم، والكشف عن أسرار إعجازه. أما بعد:
فلقد تخيرت سورة الرعد لهذه الدراسة المتواضعة.
فمنذ عهد غير بعيد، وأنا أحس أحساسًا عجيبًا، بما ضمنه الله تعالى هذه السورة الكريمة التي بسط فيها كثيرًا من آياته الدالة على وحدانيته، وعظيم قدرته في ذلك الطراز العالي من جودة النظم، وحسن السبك، وروعة التصوير، وما اشتملت عليه من الوعد والوعيد، ومن الترغيب والترهيب في ذلك الأسلوب المحكم البديع.
ولقد كان إحساسي بهذه السورة صدى لإحساسي بالقرآن الكريم، ونموذجًا لما وقر في قلبي من التعلق بكتاب الله تعالى.
وتوافرت الآمال في خدمة كتاب الله وجعلت تزداد يومًا بعد يوم، منذ تخصصت في الدراسات العربية، ومنذ انحزت في دراساتي العليا إلى دراسة البلاغة العربية وإلى علم الأدب ونقده.
وإذا هذه الآمال التي كانت أشبه بالحلم العميق اللذيذ تصبح بعون الله وتوفيقه حقيقة ماثلة تطبع آثارها على هذه الكلمات التي سطرتها في هذا البحث.
ويعنيني أن أذكر في هذا التقديم أن الموضوع الذي تخيرته للدراسة، وهو سورة الرعد كان موضوعًا بكرًا لم تعرض له إلا كتب التفسير والتأويل في جملة ما تعرضت له من تفسير كتاب الله تعالى من أوله إلى آخره. بنهجها المألوف الذي يكشف عن معاني الألفاظ، واستخراج العبر والأحكام من آياته الشريفة. وعند مقاربتي إنجاز هذا البحث وقفت على كتاب ألفه الأستاذ. عبدالرحمن حسن حبنكه الميداني، ورأيت من واجبي قراءة هذا الكتاب الذي كان موضوعه. سورة الرعد، وانتهيت من قراءته إلى البون البعيد بين منهجي في الدراسة وغايتها، ومنهج صاحب ذلك الكتاب وغايته من تأليفه، ذلك أنني عمدت إلى موضوع واحد، ولكنه في الوقت نفسه موضوع كبير إذ هو تعمق في دراسة (( النظم القرآني ) )والإبانة عما يمتاز به ذلك النظم العجيب في تلك السورة الكريمة في حين أن الكتاب المذكور توسع في الشرح والتفسير، وأبان في عبارات موجزة عن البلاغة في هذه السورة.
أما المصادر التي استعنت بها فأهمها كتب التفسير على مختلف مناهجها وتباين رجالها، وأضفت إلى هذه المصادر ما وسعته ثقافتي اللغوية، وثقافتي الأدبية، والبلاغية التي حصلتها من الكتب المعدودة في هذا الشأن، وما وقفت عليه من أعمال كبار العلماء، وبالإضافة إلى ذلك استعنت بطائفة من المراجع