الصفحة 77 من 156

مظاهر التلاؤم في التراكيب

إن دراسة الآية القرآنية تتصل اتصالا مباشرًا بدراسة اللفظة المفردة، لأن هذه أساس تلك، ونعد في دراستنا هذه كل آية من القرآن قائمة مقام الجملة، وذلك إيثار للإيجاز. أي أننا نعد الآية وحدة السورة غير غافلين عن معنى الجملة في علم العربية.

وإذا عرضنا لدراسة التراكيب، وتلاؤمها في سورة (( الرعد ) )فإنما نعرض لدراسة الآية. مستوضحين كيف أحكمت أدق تنسيق بحيث لا نحس فيها بكلمة يضيق بها مكانها، أو تنبؤ عن موضعها أو لا تعيش مع أخوتها متبينين في كل آية مما نختاره شاهدًا على في التركيب، عن كون تلك الآية مكمله لما قبلها، وتلك مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها وما سيقت له. بالإضافة إلى تلاؤم الجمل داخل الآيات.

فالصلة بين كل آية وأخرى هي مظهر التلاؤم في التراكيب، وقد عرضت سورة الرعد في جميع آياتها لجمل كثيرة جاءت آية في الأحكام والترابط والتلاؤم والذي جعل أجزاء الكلام بعضها آخذًا بأعناق بعض فصار البناء المحكم المتلائم الأجزاء.

خذ مثلًا قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} إلى قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } .

تأمل كم جملة اشتملت عليها هذه الآية فهي تسع جمل. كل جملة وثيقة الاتصال بما قبلها، وما بعدها. وقبل أن نوضح مظاهر التلاؤم بين تلك الجمل يجب أن نبحث عن صلة تلك الآية بما قبلها، فذلك معين لنا على التعرف على مظاهر التلاؤم بين أجزاء جملها.

وأن وجه صلتها بما قبلها: (( هو أن سابقتها تضمنت أن كل من في السماوات والأرض ساجد لله فلزم الإنكار على عبدة الأصنام، والتوجه إليهم (( بقل ) ) (( يا محمد ) ) {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية [1] ؟

ويوضح وجه الصلة أن الآية السابقة على تلك هي قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15) } فجاء التلاؤم المحكم بين الآيتين.

والآن لندخل في تفصيل ذلك التلاؤم والترابط بين جمل تلك الآية. أعني قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ....

(1) انظر تفسير الرازي الجزء 19 ص 31 ط الأولى 1357 هـ المطبعة البهية بمصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت