الصفحة 78 من 156

إن أول جملة تطالعنا في الآية الكريمة هي تلك الجملة المركبة من فعل الأمر (( قل ) )وفاعله الضمير المستتر وجوبًا والعائد على محمد صلى الله عليه وسلم.

إنها جملة آمرة تترك في النفس بعد انقضاء زمن التكلم مشرئبة متطلعة إلى ما سيلقى إليها، وإلى ما ستؤمر به، وقد حصل مفهوم ذلك الأمر في جملة (( من رب السماوات والأرض ) ).

والذي يستدعي النظر في هذا التركيب. هو التعبير بلفظة (( رب ) )دون موجد أو خالق، إذ في لفظة (( رب ) )من معنى الألوهية ما هو أعم وأكمل فيدخل تحتها معنى الخالق الموجود المتصرف رب كل شيء.

ثم تمضي الآية في سرد تلك التراكيب والجمل المحكمة فيأتي الجواب في جملة {قُلِ اللَّهُ} ، (( ولما كان هذا الجواب جوابًا يقربه عبدة الأصنام ويعترفون به، ولا ينكرونه. أمر الله نبيه بأن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهًا على أنهم لا ينكرونه البتة ) ).

ولما بين سبحانه أنه الرب لكل المخلوقات قال: قل لهم: (( فلم اتخذتم من دون الله أولياء ) )، وهي جمادات لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا فعبادتكم إياها محض العبث والسفه، ولما ذكر سبحانه هذه الحجة الظاهرة بين أن من يمثلها يكون كالأعمى، والعالم بها كالبصير. وأن الجهل بها كالظلمات، والعلم بها كالنور.

وكما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها فكذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير، وأن الظلمة لا تساوي النور، وقد أكد الله سبحانه هذا البيان بالجمل المتساوقة في قوله: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [1] ثم جاء ما يتلاءم مع هذا التوكيد، وهو قوله: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} الاسميتين.

أما قوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فيستوجب أن يأتي بعده في السياق قوله: {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } وقد حصل، لأن خالق كل شيء تلائمه وتثبت له صفة الوحدانية، والقهر والقوة. إن هذا النظم لمن براعة الاتساق، والتلاؤم في تركيب كل جملة وصلتها بأختها.

وهذا شاهد آخر من قوله تعالى: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } إلى شأن الكفار: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) } .

في هذا النص ست آيات كل آية اشتملت على أكثر من جملة، وكل جملة اشتملت على تركيب جاء آية في الإحكام والتناسق. إذ كل آية بنيت على صلة وثيقة بما قبلها وما بعدها. ففي الأولى نلحظ أنه

(1) انظر تفسير الرازي ص 31 الجزء 19 الطبعة الأولى 1357 هـ المطبعة البهية بمصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت