سبقها آية تشيد بذكر أولي الألباب ذوي التفكير، والتدبر، والإيمان على حد قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} .
ومن هنا جاءت الآيات الخمس الأولى مرتبطة في تراكيبها بما سبقها متلائمة في النسق، إذ لما انتهى نفس الآية السابقة عليهن عند قوله {أُولُو الْأَلْبَابِ} . شرعت الآية الأولى من الخمس المذكورة، في صفات ذوي الألباب، وأنهم السعداء لمحافظتهم على العهد المطلق، والميثاق المطلق والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها، هو عهد الإيمان، والميثاق الأكبر الذي تتجمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان.
هكذا يمضي التركيب في الآية مقررًا أن وفاء هؤلاء البشر من الناس بالعهد الإلهي، والميثاق الرباني داخل تحته الوفاء بالعهود والمواثيق مع الناس كافتهم.
ثم يمضي التركيب مقررًا في إجمال صفات أولئك السعداء وأنهم أهل طاعة كاملة واستقامة واصلة، وسير على السنة بلا انحراف، ولا التواء [1] بعد ذلك تتوالى التراكيب مقررة جزاء هؤلاء الناس على صنيعهم وأنه الجنة التي هي مطمع كل مؤمن {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} .
وبعد أن رتب الجزاء وفق العمل جاءت الآية السادسة والأخيرة من النص تحمل في تراكيبها صفات أخرى لفريق آخر من الناس إذ يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الآية.
ومظاهر التلاؤم واضحة في سبق صفات السعداء (( وما ترتب على هذه الصفات من الأصول الشريفة، والجزاء الحسن، ثم في العطف ببيان حال الأشقياء، وما يترتب عليها من الأصول المخزية المكروهة، فجاء التركيب متبعًا الوعد بالوعيد، والثواب بالعقاب ليكون البيان في غاية الكمال [2] ) .
ومثل ذلك الأسلوب القائم على التلاؤم التام. يجري في آيات السورة جميعها. إليك مثلا قوله تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} ، وقوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} الآية.
ولعلك تسأل عن وجه صلة قوله: (( مثل جنة الآية بما قبله. وبيان ذلك هو أن وجه صلة هذا التركيب، يحي الآية الأولى مبينة عذاب الكفار في الدنيا وفي الآخرة فأتبع التركيب يذكر ثواب المتقين [3] ) .
(1) انظر ظلال القرآن لسيد قطب جـ 13 ص 89 طبعة بيروت.
(2) تفسير الرازي ص 46 الجزء 19.
(3) المصدر السابق ص 8.