فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 114

بالنار. فأتوه بالكوانين فجعلوا النار حوله من كل ناحية حتى احترقت ثيابه وهو في ذلك يصيح من شدة البرد فتجرد وأقبل يصطلي حتى تفطر جسده ولم ينفعه شيء, فلما عظم البلاء عليه قال: ائتوني بالحسن, فأتوه به فصاح الحجاج: يا أبا سعيد أدركني ما لي ولسعيد, فقال له الحسن: ما لسعيد ومالك يا حجاج, لو تركت سعيدًا لتركك الله, أما نهيتك يا حجاج أن تتعرض لأحد من أولياء الله؟ فلما نظر الحسن إلى ما نزل به من العذاب وضع يده على أم رأسه ثم صاح بأعلى صوته ثم أقبل يبكي على نفسه, فقال له الحجاج: يا أبا سعيد أرسلت إليك أستغيث بك وأنت تبكي على نفسك, فقال الحسن: أما أنت يا حجاج فقد عجل لك ما صنعت. ثم خرج عنه الحسن مغمومًا مكروبًا خائفًا وجلًا على نفسه. فأقام الحجاج معذبًا لا يكاد يموت ولا يحيا خمس عشرة ليلة. فقال الحجاج: ردوا عليّ الحسن, فردوه قال: فدخلت عليه وقد تغير لونه وغارت عيناه من السهر وقد احترقت ثيابه وتشقق جلده من حر النار وحوله تسعة كوانين, وكل ذلك لا يفارق الزمهرير جوفه. قال: فكلمني وقد ضعف وبَحَّ صوته فأنشأ يقول: يا إلهي إن الناس يقولون: إنك لا ترحمني فارحمني, ثم قال: يا حسن لا أسألك أن تسأله أن يفرج عني ولكني أسألك أن تسأله أن يقبض روحي ولا يطول عذابي. فبكى الحسن بكاءً شديدًا واستحيا من الله أن يسأله فيه فأذن الله بقبض روحه, فقبض والحسن واقف.

وفي رواية: أن الحسن البصري لما بلغه أن الحجاج قتل سعيد بن جبير قال: اللهم قاصم الجبابرة اقصم الحجاج, فما بقي بعد ذلك إلا أيامًا حتى وقع في جوفه الدود وأصابه الكُزَاز [1] .

وسيأتي, إن شاء الله تعالى, في آخر الكتاب [2] عدة منامات رؤيت للحجاج بعد موته فلتراجع, ففيها وفيما حصل للحجاج بسبب قتله سعيد بن جبير أبلغ موعظة وعبرة لمن اعتبر. فليعتبر بها المتسلطون على أولياء الله بالجبروت والظلم والعدوان, وليعلموا أن الله لهم بالمرصاد وليتدبروا قول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [3] , وليتدبروا أيضًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) متفق عليه من

(1) قال الجوهري: الكزاز بالضم: داء يأخذ من شدة البرد. وكذا قال في «لسان العرب» قال: وتعتري منه رعدة.

(2) صفحة 117 - 118.

(3) سورة إبراهيم, الآيتان: 42 و 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت