قلت: وفي دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجل الذي خالف أمره ومعاجلة الرجل بالعقوبة أبلغ تحذير من الأكل والشرب بالشمال من غير عذر, فليحذر الذين يأكلون ويشربون بشمائلهم من غير عذر أن يصابوا بمثل ما أصيب به بسر بن راعي العير. فما العقوبة ببعيد من الذين يخالفون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه.
ومن العقوبة على المخالفة أيضًا ما رواه الإمام أحمد عن أبي يحيى, رجل من أهل مكة, عن فَرُّوخ, مولى عثمان, أن عمر - رضي الله عنه - وهو يومئذ أمير المؤمنين, خرج إلى المسجد فرأى طعامًا منثورًا فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا, قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه قيل: يا أمير المؤمنين فإنه قد احتكر, قال: ومن احتكره؟ قالوا: فرُّوخ مولى عثمان وفلان مولى عمر, فأرسل إليهما فدعاهما فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع, فقال عمر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام) , فقال فرّوخ عند ذلك: يا أمير المؤمنين أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدًا. وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا. ورواه البيهقي في «دلائل النبوة» , وروى ابن ماجه المرفوع منه فقط. قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون وصحح الشيخ أحمد محمد شاكر إسناد أحمد.
ومن عقوبات المستهزئين بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما رواه الدارمي, عن ابن عجلان, عن العجلان, عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (بينما رجل يتبختر في بردين خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) , فقال له فتى قد سماه وهو في حلة: يا أبا هريرة أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسر منها, فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: للمنخرين وللفم {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [1] . وقد بوب الدارمي على هذا الحديث بقوله: «باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث فلم يعظمه ولم يوقره» .
ومن عقوبات المستهزئين بالأحاديث الصحيحة أيضًا ما ذكره ابن القيم في كتابه «مفتاح دار السعادة» عن أحمد بن مروان المالكي أنه قال في «كتاب المجالسة» له: حدثنا زكريا بن عبدالرحمن البصري قال: سمعت أحمد بن شعيب يقول: كنا عند بعض المحدثين بالبصرة فحدثنا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم) . وفي المجلس معنا رجل من المعتزلة
(1) سورة الحجر, الآية: 95.