زيارة بعض القبور. وكنت قد تأذيت من رائحة والد المرأة حين عرق من التعب في نبش التراب وإخراجه من القبر لأنه كان يشرب الدخان الخبيث المسمى بالجراك ففاحت رائحته الخبيثة من فمه وتأذيت منها فخرجت عنه. ولما ذهبت عنه بقدر باعين أو نحوهما سمعت صوتًا يشبه صوت الحجر إذا رمي به في طين ليّن. وتلا هذا الصوت صرخة عظيمة من الرجل فرجعت إليه فإذا هو قد سقط في القبر مستلقيًا على قفاه, رأسه إلى جهة الجنوب ورجلاه إلى جهة الشمال, وهو يفرك رقبته ونحره بيديه ويصيح ويقول: أطفئوا عني النار, قال: فأخذت سطلًا فيه ماء فصببته عليه فشهق شهقة ثم خمد بعدها فأخرجناه من القبر وهو لا يتحرك منه شيء فلا أدري أهو ميت أم لا فحمله أصحابه على النعش في السيارة التي جاءوا فيها بابنته وذهبوا به إلى بيته ولم يبق معي في المقبرة سوى اثنين من الذين جاءوا مع الميتة, أحدهما شيخ والآخر شاب حَدَثٌ, فرجعنا إلى القبر فإذا أبو المرأة قد أخر اللبنة التي تلي الرأس عن موضعها فنزلت في القبر لأرد اللبنة في موضعها فإذا الكفن الذي فوق رأس المرأة قد اسودَّ حتى صار كالفحم, وهذا القدر هو الذي بدا لي من الكفن ولا أدري عن حال بقية الكفن لأنه مستور عني باللبن. قال: وإذا في اللحد مما يقابل رقبة المرأة من جهة القفا خطان أزرقان يشوب زرقتهما قليل من صفرة وعرضهما وما بينهما من الفاصل قريب من ثلاث أصابع. قال: فأصابني رعب شديد من هول ما رأيت وبلت في ثيابي ولم أشعر بذلك حتى أحسست بالبول يجري على فخذيَّ وساقيَّ. قال: فسوينا التراب على القبر وسألت الرجل الكبير عن المرأة الميتة وعن أهلها فأبى أن يخبرني فأخذت بيد الشاب وذهبت به إلى ناحية من المقبرة فسألته فأخبرني أن الميتة عمته وقال: إنها مستحقة لما أصابها من العاب, فقلت: ما شأنها؟ فقال: إنها كانت تجلس عند التلفزيون ولا تصلي حتى تنتهي برامج التلفزيون وكانت أمها تنهاها عن تأخير الصلاة عن وقتها فلا تنتهي وقد جاءت أمها مرة وهي قد أخرت الصلاة عن وقتها, فضربت التلفزيون برجلها فسقط وانكسر مفتاحه فقامت إلى أمها وهي غضبى تخاصمها وتؤنبها على ما فعلت وأرادت أن تذهب بالتلفزيون إلى من يصلحه فأخذه أبوها وذهب به إلى من أصلحه. قال صالح: فسألته: هل للميتة أولاد؟ فقال: لا, إنها قد تزوجت وطلقت منذ أكثر من سنة ولم تتزوج بعد ذلك. انتهى ما حدثني به صالح. وهذه المرأة قد جمعت بين ثلاثة أمور محرمة. أحدها: التهاون بالصلاة وتأخيرها عن وقتها وإيثار الحضور عند آلة اللهو عليها. والثاني: معصية أمها فيما تأمرها به من أداء الصلاة في وقتها. والثالث: استحلال الملاهي وتقديمها على طاعة الله تعالى. وقد أصاب العذاب أباها لأنه قد أقرها على أفعالها السيئة وسعى في إصلاح ما فسد من آلة اللهو التي قد