فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 114

التنور, فإذا شاء الله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه وغيّبه عن غيره إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب ولَما تدافن الناس كما في «الصحيحين» عنه - صلى الله عليه وسلم: (لولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) . ولما كانت هذه الحكمة منفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغلته وكادت تلقيه لما مَرَّ بمن يعذب في قبره. انتهى كلامه.

ومن القصص في هذا الباب أيضًا ما رواه ابن أبي الدنيا عن عمرو بن دينار قال: كان رجل من أهل المدينة له أخت فماتت فجهزها وحملها إلى قبرها فلما دفنت ورجع إلى أهله ذكر أنه نسي كيسًا كان معه في القبر فاستعان برجل من أصحابه فأتيا القبر فنبشاه فوجد الكيس فقال للرجل: تنح حتى أنظر على أي حال أختي, فرفع بعض ما على اللحد فإذا القبر يشتعل نارًا, فرده وسوَّى القبر ورجع إلى أمه فسألها عن حال أخته فقالت: كانت تؤخر الصلاة عن وقتها ولا تصلي فيما أظن بوضوء, وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم فتخرج حديثهم.

قلت: في هذه القصة عبرة وموعظة للذين يؤخرون الصلاة عن وقتها, وللذين لا يبالون بإسباغ الوضوء للصلاة, وللذين يتجسسون على الناس ويستمعون إلى ما يخفونه عنهم من الأحاديث التي يكرهون الاطلاع عليها. وما أكثر هذه الأصناف الرديئة.

ومن القصص في هذا الباب أيضًا ما ذكره السفاريني في كتاب «البحور الزاخرة» قال: حكى الحافظ ابن رجب وغيره: أن جماعة من التابعين خرجوا لزيارة أبي سنان فلما دخلوا عليه وجلسوا عنده قال: قوموا بنا نزور جارًا لنا مات أخوه ونعزيه فيه, قال محمد بن يوسف الفريابي: فقمنا معه ودخلنا على ذلك الرجل فوجدناه كثير البكاء والجزع على أخيه فجعلنا نعزيه ونسليه وهو لا يقبل التسلية ولا عزاء فقلنا له: أما تعلم أن الموت سبيل لا بد منه؟ قال: بلى, ولكن أبكي على ما أصبح وأمسى فيه أخي من العذاب, فقلنا له: قد أطلعك الله على الغيب؟ قال: لا, ولكن لما دفنته وسوَّيت عليه التراب وانصرف الناس جلست عند قبره وإذا صوت من قبره يقول: آه أفردوني وحيدًا أقاسي العذاب قد كنت أصلي قد كنت أصوم, فأبكاني كلامه وقلت: صوت أخي والله أعرفه, فقلت: لعله خُيِّل إليك, قال: ثم سكت فإذا أنا بصوت يقول: آه, ولا أدري في الثانية أو في الثالثة, فنبشته حتى بلغت قريبا من اللبن فإذا بطوق من نار في عنقه وفي وسطه فأدخلت يدي رجاء أن أقطع ذلك الطوق فاحترقت أصابعي فبادرت إخراجها, فإذا يده قد احترقت أصابعها, قال: فرددت عليه التراب وانصرفت فكيف لا أبكي على حاله وأحزن عليه؟ فقلنا: فما كان أخوك يعمل في الدنيا؟ قال: كان لا يؤدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت