وسقطت القدس بعد حطين، نتيجة اقتناع الصليبيين بحتمية انتصار المسلمين.
وبالرغم مما أظهره المقاتلون من الشجاعة في خوض المعارك - الفاشلة والظافرة - فهناك فارق كبير بين القتال البائس والقتال لانتزاع النصر. والملاحظ أن القناعة بحتمية النصر أو حتمية الفشل إنما تنطلق من القيادات، ومن هنا يظهر التركيز على إقناع القيادات بقصورها و عجزها، ومن هنا أيضا تكتسب المقولة في المقدمة صحتها، وهي: «أنه ما من معركة تضيع وتفشل إلا إذا أراد القائد خسارتها» . وتنتقل ريح النصر، أو سموم الهزيمة، إلى
كتلة المقاتلين، فتفقدها ثقلها وتضعها خارج ميزان القوي. وتبرز من خ لال النصر والهزيمة قضية ثمن الحرب، حيث يظهر بوضوح أن ثمن الخسارة أكبر بكثير من كل ما يتطلبه الإعداد للحرب من جهد ومال. فللمنتصر الغنائم وأكاليل الغار، و للهزوم الخاسر دفع الثمن المضاعف أضعافا، باقتران الخسارة المادية التدمير المعنوي. .
وهنا، وفي مجال. استراتيجية الهجوم غير المباشر، وفي إطار. الحرب طويلة المدى، و ضمن تقويم «ثمن الحرب،، يبرز عامل على ج انب كبير من الأهمية وهو «البحث عن النصر،، وأهمية هذا النصر في حل التناقضات القائمة ضمن تكوين مراكز القوى للجيوش المتصارعة. فقد كانت جيوش المغول تضم قوي متنافرة، فيها من المسلمين عدد غير قليل، وفيها من المسيحيين أعداد أقل، إلا أنهم كانوا أكثر تحکما مراكز قوى المغول. وكانت هناك مراکز قوي مختلفة كثيرة، وبالرغم من ذلك فقد عملت هذه المراكز بتكامل رائع، نتيجة للإدارة القوية الحازمة، ولم تتمكن من تفجير الصراعات الداخلية، وجاءت الانتصارات المتتالية للمغول لتجتذب إليها القوى المتنافرة وتوحدها، في حين
كانت قوى المسلمين أكثر تجانسا. إلا أن «ضعف الإدارة في السلم والحرب» سمح لاستراتيجية الهجوم غير المباشر أن تأخذ كل أبعادها، فتعمل على تقرير نتيجة الحرب من قبل أن تبدأ المعركة.