وما من قمة يبلغها متخاذل، أو منواكل، أو متلمس درب سهل.
لدى استعراض التاريخ العسكري، قادة ووقائع (وكثيرا ما يصدق هذا على المجالات الاخرى) يتبين أن الجسم - أو التفوق، على الاقل - لم يأت في يوم من الايام وليد فكر قيادي متحفظ، ولا نتيجة واقعة أو وقائع تقليدية، بل كان دائما ثمرة الاستخدام الصحيح بطرائق مبتكرة، أو محصلة مجريات تتجمع وفق ترتيب غير مستحيل في سياقها الاجمالي، ثم تتجاوزه في تتابع تفاصيلها ومفاصلها التقريرية.
فالبريطانيون هم الذين اخترعوا الدبابة، ولكن الألمان هم الذين استغلوا قدراتها القتالية المعبر عنها بالصدمة والمرونة والوقاية. وبكلمة أخرى أن التنظيرات الفكرية تفتح الأبواب، وهذا مهم، ولكن الأهم هو ولوج الابواب ... وهذا لا يتم الا بالتدريب الشاق والممارسة الجريئة.
من جهة ثانية، لا يستطيع أي فكر أن ينظر الا اذا استوعب الماضي والحاضر، وتبين الدروب المسدودة، لينفذ عبر ما لم يستطع غيره استبصاره، او يدرك ما لم يستطع غيره اقتحامه، سعيا وراء أبواب جديدة. وما من فائدة في أي باب يفتح ما لم تتوافر همة مقدامة تتحداه، ولكن سرعان ما تعم التنظيرات الجديدة، ونشرع الأبواب أمام الجميع. وهنا تصبح الآية في كيفية العبور لا في العبور نفسه، ويصبح العبور الأنجح هو ذاك الذي يتم بالطرائق المبتكرة. وهذا ما يعبر عنه بالمنحى التشويري: تثوير الأسلوب والاداة ... وبالتنوير وحدة و يمكن اعتصار، ما في الكائن البشري من طاقات وكفاءات، وما في الأله من قدرات ... بل وبه يمكن تصعيد هذه الامكانيات حتى مستويات لا يمكن أن يبلغها التحفظ، عن طريق التفاعل فيما بين الكفاءات البشرية والخصائص العتادية.
لكن هذا يقود الى عقدة تستوجب الحل: فغالبا ما يكون التنظير - وهو ابن الخيال، بالدرجة الأولى - اوسع من الطاقات المتوافرة. لذا، سيتطلب الأمر تأطير التنظير بما يتلاءم مع ما يمكن تأمينه، من ناحية، ومن ناحية ثانية الاستفادة القصوى مما يثامن، تحاشيا الضغط التنظير حتى الحدود التي يمكن أن تفقده مضمونه.
وفي المجال العسكري حصرا، يقصد بالتحفظ. وما في حكمه - التشبث بما هو سائد حرصا على ما هو قائم، دونما أي حسبان لعامل الزمن ومؤثراته، ولا لتوسعات الفكر وتوجهاته وتطلعائه. وفي هذه الحالة، يكون الفارق بين التحفظ وجريا على العادة)، والتحفظ اصطبارا حتى التبين، أو حتى التأكد من الساعة الفصل، قريبا جدا من الفارق بين التخاذل والاقدام. ويكون التحفظ أو التقليد ضربا من التفكير السكوني -