فإن عدد الحالات التاريخية التي تحقق فيها ذلك بنجاح بنخفض إلى رقم يدعو للإحباط، ولا يتجاوز بضعة دول، وتأتي أبرز الأمثلة من التاريخ الاستعماري الأوربي، إذ نجح البريطانيون قبل أي شيء آخر في إيجاد مؤسسات متينة ومستديمة في عدد من مستعمراتهم، كجهاز الخدمة المدنية في الهند، الذي يعزي الفضل إليه في وضع الأسس الراسخة للديمقراطية التي أعقبت الاستقلال. كذلك كان النظام الفضائي / القانوني في سنغافورة وهونغ كونغ أساس النمو الاقتصادي في هذين البلدين، كما ترك اليابانيون وراءهم بعض المؤسسات المتينة في تابوان وكوريا بعد انتهاء الفترة الاستعمارية، وبرغم الكره الذي يكنه الكثير من الكوريين تجاه اليابان فقد سعت كوريا الجنوبية إلى إعادة خلق العديد من المؤسسات اليابانية، بدءا بالاتحادات الصناعية وانتهاء بحكومة الحزب الواحد.
كما بعزي الفضل أحيانا إلى الولايات المتحدة في عمليات بناء الأمة الناجحة في ألمانيا واليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين كانت قوة احتلال مباشر، أما من حيث بناء القدرة الإدارية، وهو موضوع بحثنا في الكتاب الحالي، فلم يحدث شيء من ذاك القبيل، لأن ألمانيا واليابان كانتا كلتاهما دولتين بيروقراطيتين قويتين قبل أن تهزمهما الولايات المتحدة عسكريا. في الواقع كانت قوة الدولتين الألمانية واليابانية أصلا السبب وراء تحولهما إلى فوتين كبيرتين تهددان النظام الدولي قبل نشوب الحرب العالمية. وقد استطاع جهاز الدولة في كلتا الدولتين البقاء أثناء الحرب، وجرى الحفاظ عليه في فترة ما بعد الحرب بتغييرات طفيفة إلى درجة تدعو للدهشة. ما