وهكذا تجدنا أمام تحد ليس باليسير، فإما أن نتعامل مع الواقع القائم في بحوثنا ودراستنا، وعند ذلك قد يكون من الصعب إن لم يكن من الخطأ إطلاق وصف الإسلام عليها، وإما أن نهمل هذا الواقع ونسير في بحوثنا ودراستنا، وبذلك تحرم هذه الدراسات من أداة ضرورية لقيام عملية التنظير، وإما أن تتوقف هذه الدراسات والبحوث إلى أن نطمئن أولًا على إسلامية الواقع.
ولا شك أن هذه القضية قد ألقت بعبئها على الباحثين والمهتمين بالموضوع والذين راح بعضهم يرى ضرورة تعديل الواقع أولًا قبل الحديث عن أسلمة علم الاقتصاد. [2] ومع ما لهذا الاتجاه من قدر من الوجاهة المنطقية العلمية، لا سيما وأنه يأخذ بالاعتبار صعوبات جمة تواجه التنظير الاقتصادي الإسلامي في غيبة الواقع الإسلامي، فإن عليه ملاحظات عديدة، منها أننا لو انتظرنا حتى يتغير الواقع فغالبًا ما سيطول الانتظار دون عمل أي شيء، ولا سيما أن العديد من المقومات النظرية والعلمية لأسلمة الواقع غير قائمة، إضافة إلى ما قد نقع فيه من فكرة الدورية، فكيف نوجد الواقع الإسلامي في غيبة الاقتصاد الإسلامي؟ وفي غيبة الاجتماع الإسلامي؟ وفي غيبة التربية الإسلامية؟ .. إلخ. لذلك اتجه جمهور الباحثين إلى ممارسة النشاط البحثي مع إدراكهم لما في عملهم من صعوبة من جهة، وما يعتريه من بعض جوانب القصور من جهة أخرى. والذي يجب أن نضيفه هنا أنه بفرض التسليم بهذا التقويم لواقع المسلمين الحاضر فإن ذلك لا يعد عقبة يتعذر اجتيازها، حيث إن عملية التنظير في علم الاقتصاد تجري -كما هو معروف- من خلال منهجين؛ المنهج الاستنباطي والمنهج الاستقرائي، الأول يقوم على مجموعة من الافتراضات المشتقة والمرتكزة على مسلمات تنبع من قيم وثقافة المجتمع، وفي ضوء ذلك تجري عملية بناء النظرية واكتشاف القوانين، والثاني يقوم على استقراء الواقع والتعرف عليه ثم الخروج بنظرية أو