فبينما بيع الأجل هو تقديم تسليم المبيع وتأخير الثمن [22] ، فإن بيع السلم هو على عكس ذلك تقديم الثمن من قبل المشتري وتأخير تسليم المبيع. وبينما يكون تأخير الثمن في البيع بأجل مقابل زيادة في الثمن، يكون تقديمه في حالة السلم مقابل وضيعة أي تخفيف في الثمن. ومن المشترط في المبيع أن يكون بكيل معلوم أو وزن معلوم، وأن يكون البيع إلى أجل معلوم.
وتستمد حكمة مشروعية السلم من المصلحة التي تحققها أحكامه للعباد، وهذا ما يظهر في تشريع السلم الذي جاء ليحقق مصلحة ويسد حاجة لكل من الطرفين بشكل مباشر، ويحقق مصلحة المجتمع بشكل غير مباشر، وهذا ما يستفاد من أقوال الفقهاء، نذكر منها:
-يقول صاحب المغنى:"ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكتمل، وقد تعوزهم النفقة، فيجوز لهم السلم (ليرتفعوا أو يرتفق المسلم بالاسترخاص أي بالحصول على السلعة بثمن رخيص) . ويقول آخر فإن صاحب رأس المال يحتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها. فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج".
ويزيد الأمر توضيحا صاحب"فتح القدير":"ولحاجة كل من البائع والمشتري، فإن المشتري محتاج إلى الاسترباح لنفقة عياله، وهو بالسلم أسهل، إذ لا بد من كون المبيع نازلا عن القيمة فيربحه المشتري، والبائع قد يكون له حاجة إلى السلم وقدرة في المال على المبيع بسهولة، فتندفع به حاجته الحالية إلى قدرته المالية [23] ."
وبذلك يتضح أن السلم من الناحية المالية يسد حاجة تمويلية للبائع، وحاجة استثمارية للمشتري، ومن الناحية السلعية يسد حد حاجة إنتاجية للبائع وحاجة إنتاجية أو استهلاكية للمشتري.
الاستصناع لغة هو طلب الصنعة، أي أن يطلب شخص من آخر صناعة شيء له، ومعنى ذلك أن اللغة قيدت مجالها في الصناعة، فلو طلب شخص تجارة أو زراعة، فلا يسمى ذلك -لغة- استصناعا [24] .
وشرعا نجد أن علماء المذاهب تناولوه من زوايا مختلفة، بعضهم يركز على صوره وأمثلته، وبعضهم يركز على ماهيته وحقيقته، وبعضهم يكفيهم من حيث كونه عقدا أم لا، وكونه بيعا أم لا؟
شروط الاستصناع:
-أن يكون كل العقد معلوم الجنس والفرع والصفة والقدر.
-أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس بعبارة أن يكون الاستصناع في سلع يتم فيها التعامل بين الناس من خلال عقد الاستصناع.
-عدم ضرب الأجل فيه، وقد اختلف علماء المذهب في هذا الشرط كثيرا [25] .
أما عن كيفية تعامل البنك الإسلامي مع عقد الاستصناع، فمعروف أن البنك مهمته الأصلية تجميع وتعبئة الإيداعات المختلفة، ثم توظيفها بما يحقق عائدا ملائما للمودعين في المجالات المشروعة، وذلك من خلال تمويل المؤسسات والشركات، بمعنى أنه يسهم بدور أساسي في عملية التمويل والاستثمار في المجتمع. وكثير من أعماله ما يقع في نطاق القطاع الصناعي، خاصة أن مفهوم الصناعة اليوم يتزايد ويتسع بصفة مستمرة، بحيث باتت معظم الأنشطة الاقتصادية هي أنشطة صناعية.
يمكن أن يكون البنك مستصنعا، أي طالبا لمنتجات صناعية ذات مواصفات خاصة. وقد يمارس البنك هذه المهمة ممولا لها من ماله الخاص، أو من أموال المودعين الاستثمارية، أو