الصفحة 3 من 6

وأمارة ذلك أن يكون له مؤلفات في هذا الموضوع انتشرت بين العلماء ولم يعقبوا عليها ولم ينتقدوها ولم يتهموه من خلالها بالشذوذ أو الجهل، مما يجعله في نظرهم متخصصا ومؤهلا للخوض في مضمار ونطاق هذا الفن من العلم والفقه، ومما يجعل المؤسسات الاقتصادية اٌلإسلامية تأنس إليه وترتضيه وتتشوق إلى مشاركته في الرقابة الشرعية فيها، وكم أتمنى أن يكون عضو الهيئة من أعضاء الهيئات التدريسية في بعض الكليات الجامعية الشرعية، وممن مارس تدريس فقه المعاملات فيها، فإن ذلك أجدى لنضجه ومزيد معرفته بالأمور الاقتصادية التي تحتاج إليها الهيئات الشرعية.

يختلف الكثيرون من أعضاء الهيئات الشرعية في المؤسسات الاقتصادية الإسلامية في منهجهم في القيام بأعبائها ومشاركتهم في فتاواها، فالبعض يميل إلى التشدد ويمتنع عن الموافقة على كثير من العقود و التصرفات التي تتقدم بها إدارة المؤسسة الاقتصادية إلى هيئتها للموافقة عليها، والبعض الآخر يميل إلى التساهل والتسامح الشديد ويتسرع في الموافقة على كل ما يعرض عليه من فتاوى وعقود، ويتهم كل من الطرفين الآخر بالخطأ في منهجه.

والواجب -في نظري- حسم الموضوع في ذلك، ووضع منهاج يوافق عليه الجميع، يجعل أعضاء هيئات الرقابة الشرعية في المؤسسات الاقتصادية الإسلامية على طريق الإسلام السهل المنضبط، فلا يجوز التشدد فيما أباحه الإسلام، ولا يجوز التساهل فيما حرمه ومنع منه.

والضابط الصحيح -في نظري- هو التزام أقوال وفتاوى أئمة المذاهب الفقهية الأربعة: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وعدم الخروج عليها فيما نصت عليه من المسائل، وعدم الجمود في الوقت نفسه عند أحدها لا يغادَر إلى غيره مهما دعت الأسباب والمصالح، أما الأمور المستجدة التي لم يبحث فيها الفقهاء، وهي مع قلتها من الأهمية بمكان، فالواجب تخريجها على أصول فقهاء المذاهب الأربعة السابقين، وعدم اللجوء إلى الأقوال الشاذة التي نص الفقهاء على شذوذها وخروجها عن القواعد العامة المتفق عليها بينهم، كما لا يجوز الأخذ بأقوال المذاهب التي لم تُنقل نصوصها عن فقهائها المعتمدين نقلا موثوقا به، كمذهب الإمام الأوزاعي، وابن شبرمة، والحسن البصري، وغيرهم، كما لا يجوز التزام أقوال العلماء الذين لم تتفق الأمة على أهليتهم للاجتهاد في الفقه، على علو مقامهم وشهرتهم، كالإمام البخاري إمام علماء الحديث، وأحمد تقي الدين بن تيمية، وابن قيم الجوزية، وغيرهم.

المجامع الفقهية نعمة امتن الله تعالى بها على أمتنا الإسلامية في العصر الحديث، حيث قل المجتهدون أو ندروا، وتفاقمت المسائل المستجدة في عالم الفقه الإسلامي عامة، والفقه الاقتصادي خاصة، وعرضت علينا عقود وتصرفات اقتصادية لم تألفها أمتنا، ولم يبحث فيها فقهاؤنا السابقون، على اهتمامهم بكل مسائل الفقه المعروض والمتوقع، وقد اختلف فيها الفقهاء المعاصرون اختلافا كبيرا، فكان وجود المجامع الفقهية المخلَُِِِّّّص الأساس من اختلاف الفقهاء في هذه الأمور المستجدة، ولكن على أهمية هذه المجامع، ورجحان فتاواها وقراراتها التي اتخذتها وتتخذها سنة بعد سنة، لم يقل أحد بإلزاميتها لجميع المسلمين، فلا إلزام إلا فيما ورد فيه نص شرعي من القرآن أو السنة، أو أجمع عليه الفقهاء من غير مخالف فيهم، سواء كان إجماعا قوليا -كما يتفق عليه الجميع- أو إجماعا سكوتيا كما يقول به البعض، وقرارات المجامع الفقهية لم ترق إلى رتبة أي من هذين النوعين من الإجماع، ولذلك يجب علينا أن نقرر أنها غير ملزمة لأحد من المسلمين ولو صدرت بإجماع الباحثين في المجمع، ومن باب أولى إذا صدرت بالأكثرية، ولا يعني هذا عدم أهميتها، أو عدم ضرورة الرجوع إليها، بل الواجب -في نظري- على كل فقيه معاصر، سواء كان منفردا أو عضوا في هيئة شرعية، أن لا يبت في موضوع مستجد لم ينقل في المذاهب الأربعة فيه قول أو رأي، وقد عرض على أحد المجامع الفقهية المعتمدة، وصدر فيه فتوى أو قرار بالإجماع أو بالأكثرية منه، أن لا يبت فيه قبل أن ينظر في قرار وفتوى هذا المجمع، وينظر في البحوث المقدمة إليه في الموضوع، ثم يتخذ قراره بعد ذلك، موافقا أو مخالفا لقرار أو فتوى المجمع، وذلك من باب قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: من الآية 159) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت