زمان ومكان مع الإذن بالاجتهاد في المصالح التي تختلف باختلاف الأطوار والأحوال وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون من دون أهل الملل والأديان،
فقد كرم الإسلام بهذا نوع الإنسان، ومهد به السبيل للألفة والأخوة الإنسانية العادلة.
وهنا تظهر عالمية الدين الإسلامي على الأديان السماوية السابقة الذي يجعل الثقافة والحضارة الإسلاميتين منفتحتين على حضارات الأمم، ومتجاوبتين مع ثقافات الشعوب مؤثرتين ومتأثرتين.
فهو برى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الاجتماع الديني، لا تبديل لها ولا تحويل.
)فالعطاء الحضاري أو الإنجاز الحضاري، على الأصعدة المتعددة، إنما هو التجلي الكلي والأساس لثقافة الأمة ورؤيتها للكون والحياة .. أو بعبارة أخرى، إن عالم الأشياء مدين في وجوده وصموده وامتداده إلى التزود من عالم الأفكار، وإن نمو عالم الأفكار وسلامته وتقبله وانتشاره مشروط بقدرته على ترجمة القيم واستحضار المرجعيات وتجسيدها في واقع الناس، من خلال الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة وامتلاك الخصوبة والقدرة على إبداع أوعية التعامل معها، وامتلاك القدرة على تجريدها من ظروف الزمان والمكان والأشخاص، والقدرة على توليدها في كل زمان ومكان وتجمع بشري، بحسب إمكاناته وظروفه. [1]
إنّ هذه الحضارة كانت مبنية على أساس القيم الأخلاقية والروحيّة، لا على المقاييس المادية. فكانت قيمة (عبادة اللَّه) هي السائدة في هذه الحضارة، لا قيمة الخضوع للجبت والطاغوت؛ وعلى قيمة الأخوة وانعدام التفاضل إلا بالتقوى، لا على العنصريات والعصبيات. فلقد قاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أناسا ينتمون إلى قبائل مختلفة في شبه الجزيرة العربية، فكان القرشي إلى جانب الخزرجي، وهذا إلى جانب الأوسي وهكذا .. فكانت الافضليات والأولويات العشائرية معدومة، بل والأكثر من ذلك إن مجموعات أخرى كانت تجاهد جنبًا إلى جنب مع العرب ممن تنتمي إلى عناصر أخرى كاليهود الذين من الله تعالى عليهم بالإسلام؛ والروم، والفرس بعد ذلك.
وهكذا فإن الجميع كانوا يحكمون بعلاقة واحدة، هي علاقة الإيمان وتوحيد اللَّه عز وجل، لا
(1) -- سلسلة كتاب الأمة نحن والحضارة والشهود ص 6 عمر عبيد حسنة