من الثأر للكبرياء الجريح، وكان ذلك المعنى عاملًا نفر به الشعبان نفيرًا جماعيًا لإعادة البناء الحضاري في بلديهما، وكان ذلك النّفير الذي عبّأ قوى الفرد الفكرية والعملية، كما عبّأ الهيئة الاجتماعية بالتعاون والتعاضد هو الذي أوصل البلدان إلى ما هما عليه الآن من الصّدارة الاقتصادية في العالم بعد دمار الحرب وسيطرة الأعداء المنتصرين.
وتبني إسرائيل اليوم في حيّز زمني قصير عيّنة حضارية لئن كانت تندرج ضمن الأنموذج الحضاري الغربي فإنها لها خصائصها الناشئة من الثقافة اليهودية، وهي على كلّ حال تؤسّس على نسق سريع تحضّرًا على غير سابق وجود اجتماعي، وهو تحضّر يوشك أن يبتلع الفراغ الذي يحيط به، حيث عجز هذا المحيط الإسلامي أن ينهض بالتحضّر رغم سابقيته في الماضي التاريخي، وليس هذا الذي تصنعه إسرائيل إلاّ بالنفير الحضاري الذي تنَادَى به اليهود من أقطار الأرض ليجتمعوا في أرض فلسطين تعبّئهم في هذا النّفير فكرة الميعاد، فإذا هم ينفرون من الآفاق خفافًا وثقالًا، في تكتّل شامل ليصنعوا الحضارة في أرض الميعاد.
يتبيّن من هذه الأمثلة أنّ كلّ حركة تحضّر سواء كانت حركة ابتداء أو حركة إعادة، فإنّها تتوقّف إلى حدًّ كبير على معنى اندفاعي يندفع به الفرد في تجنيد مواهبه وقواه في سبيل العمل، وتندفع في زخم شديد تلتقي فيه كلّ القدرات الفردية والجماعية، وبه يتحقّق البناء الحضاري ابتداء أو إعادة، وذلك ما نعني بالنفير الحضاري.
وقد نرى شيئًا من هذا الدّافع إلى العمل الحضاري يحدث عند بعض الأفراد أو بعض الجماعات، وقد نراه أيضًا يلمّ في لحظة معيّنة أو في ظرف معيّن بالجمع العريض من الأمّة، ولكن ذلك كلّه سرعان ما يتلاشى أو يؤول إلى حكم التلاشي فلا يكون له أثر يذكر، لأنّه لم يبلغ في الأمّة مبلغ النّفير الذي تتعبّأ به الإرادة الفردية والجماعية بحيث يهبّ الجميع في ملحمة للبذل بالفكر والعمل لا يردّها رادّ في اندفاعها لتحقيق الهدف من خلال البناء الحضاري. [1]
فالنفير هو فزع إلى أمر هامّ, بحيث يستبدّ ذلك الأمر بإمكانات وقدرات الفازعين فتوجّه
(1) - عوامل الشهود الحضاري / عبد المجيد عمر البخار ج 2