أفاض به القرآن من قوانين الحياة البشرية في الدنيا والآخرة، وما عرض له من الغيب في السماوات والأرض والملائكة والجن وشئون الآخرة، مما يجعله ميثاقًا أعلى لعهد الإنسان مع ربه، فيرفعه ذلك فوق مجال الدستور وسائر التنظيمات التشريعية ويسمو به عن مستوى حياة البشر الزائلة في الدنيا إلى الوجود الأبدي السرمد من قبل أن يخلق الإنسان إلى ما بعد يوم الحساب.
وبذلك فإن القرآن أعلى من أن يكون دستورًا وأوسع من أن يقتصر على الحياة الدستورية المحدودة، ويجعل الأخير مقيدًا حتمًا بالقرآن وما جاء على لسانه صلى الله عليه وسلم من الوحي في حديثه المتعمد.
إن أمة المسلمين إنما يلزمون حدود الحتمية الإسلامية من أن الله وحده لا شريك له هو صانع الكون وصانع التاريخ والنظم والمهيمن عليها والمسير لها.
ولا يلبسون إيمانهم المطلق بذلك بحتمية تقول بأن التفسير المادي للتاريخ يثبت أن الاقتصاد هو صانع التاريخ وان الحتمية توجب الخضوع لدواعيه، ولا بحتمية القول بأن إرادة الإنسان هي صانعة التاريخ والنظم، وإنما يخلصون الدين لله وحده، فيكون عليهم نتيجة ذلك ـ نتيجة لهذا الإيمان ـ أن يتضامنوا في تنفيذ ما أمر الله به ومنع ما نهى الله عنه وذلك بالوسائل الإسلامية التي أفاض فيها علماء الشريعة الإسلامية.
وأن الإسلام بما تميز به من الحرية واحترام البشر وتكريمهم وعصمة أنفسهم وأموالهم، وإعلاء المصلحة الاجتماعية والتضامن فيها قد جمع محاسن كل النظم التي عرفها الإنسان، وساقها في صيغة عزت على غيره وتوازنت بها المصالح السياسية والاجتماعية