القول الأول: لا تقبل توبة الساب لله - عزوجل -
قال القاضي"عياض"- رحمه الله تعالى: (لاخلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم. واختلف في استتابته فقال ابن القاسم في"المبسوط"وفي كتاب"ابن سحنون", ومحمد ,ورواه ابن القاسم عن مالك في كتاب إسحاق بن يحي: من سب الله تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افتراءً على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب, وإن لم يظهره لم يستتب , وقال في المبسوطة مطرف وعبدالملك مثله.) (الشفا: 2/ 205) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعد أن ذكر حكم من سب الله -عز وجل-:(ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته , بمعنى أنه هل يستتاب كالمرتد ويسقط عنه القتل إذا أظهرالتوبة من ذلك بعد رفعه إلى السلطان وثبوت الحد عليه؟ على قولين:
أحدهما: أنه بمنزلة ساب الرسول , فيه الروايتان. هذه طريقة أبي الخطاب وأكثر من احتذى حذوه من المتأخرين , وهو الذى يدل عليه كلام الإمام أحمد حيث قال:"كل من ذكر شيئًا يعرض بذكر الرب -تبارك وتعالى- فعليه القتل , مسلمًا كان أم كافرًا وهذا مذهب أهل المدينة"فأطلق وجوب القتل عليه , ولم يذكر استتابته وذكر أنه قول أهل المدينة , ومن وجب عليه القتل يسقط بالتوبة , وقول أهل المدينة المشهور أنه لا يسقط القتل بتوبة , ولو لم يرد هذا لم يخصه بأهل المدينة , فإن الناس مجمعون على أن من سب الله - تعالى - من المسلمين يقتل وإنما اختلفوا في توبته فلما أخذ بقول أهل المدينة في المسلم كما أخذ بقولهم في الذمي علم أنه قصد محل الخلاف بإظهار التوبة بعد القدرة عليه كما ذكرنا في سب الرسول.) (الصارم المسلول 425) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (وأيضا فإن السب ذنب منفرد عن الكفر الذى يطابق الإعتقاد , فإن الكافر يتدين بكفره ويقول: إنه حق , ويدعوا إليه , وله عليه موافقون , وليس من الكفار من يتدين بما يعتقده استخفافًا واستهزاءًا وسبًا لله. وإن كان في الحقيقة سبًا كما أنهم لا يقولون: إنهم ضلال جهال معذبون أعداء الله , وإن كانوا كذلك , وأما الساب فإنه مظهر للتنقص والإستخفاف والإستهانة بالله , منتهك لحرمته انتهاكًا يعلم هو من نفسه أنه منتهك مستخف مستهزئ , ويعلم من نفسه أنه قد قال عظيمًا , وأن السماوات والأرض تكاد تنفطر من مقالته وتخر الجبال , وأن ذلك أعظم من كل كفر , وهو يعلم أن ذلك كذلك، ولو قال بلسانه:"إني كنت لا أعتقد وجود الصانع ولا عظمته، والآن قد رجعت عن ذلك"علمنا أنه كاذب فإن فطرة الخلائق كلها مجبولة على الإعتراف بوجود الصانع وتعظيمه؛ فلا شبهة تدعوه إلى هذا السب، ولا شهوة له في ذلك، بل هو مجرد سخرية واستهزاء واستهانة وتمرد على رب العالمين، تنبعث عن نفس شيطانية ممتلئة من الغضب أو من سفيه لا وقار لله عنده، كصدور قطع الطريق والزنا عن الغضب والشهوة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون للسب عقوبة تخصه حدًا من الحدود، وحينئذ