فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 426

في تلك اللحظات الأخيرة كان شريط الذكريات يمر أمام هؤلاء الواقفين خلال هذه الأشهر السابقة كان لكلمنهم مواقف وذكريات فهذا معروف بمواقفه الطريفة ودعابته وهذا بهدوئه وهذا بحيائه وهذا بكذا وهذا بكذا وهذا كان يقول كذا وهذا كان يفعل كذا، كانت ذكريات جميلة وأيام مرت قضاها كل طرف مع الآخر، فعندما كان يتذكر كل واحد هذه الذكريات في تلك اللحظة وهو ينظر إليهم ليودعهم الوداع الأخير كان ينزف من داخله، فبينما كل تلك الذكريات تمر كان خويلد مازال ينشد وهو يسير بظهره إلى الخلف في اتجاه الباب ومعه فتحي ومحمد والباقي يتقدمون إليهم ويلتفون حولهم ويضمهم كل واحد إلى صدره وكأنهم يعز عليهم لحظة الفراق ويريدون ألا يفارقوهم إلى أن خرج خويلد من الباب - وهو مازال ينشد فأمسك بالقضبان وأكمل نشيده إلى أن وصل إلى نهايته.

أيا عنبرا كان فيك اللقاء *** وفيك المحبة فيك الإخاء

وفيك تجمع شمل الشباب ** فصرت بحق لهم ملتقى

ثم رفع يده ليلوح لهم بالسلام من خلف القضبان وكذلك فتحي ومحمد فأخذ الثلاثة يلوحون بأيديهم وينظرون إليهم هذه النظرة الأخيرة وعند هذه اللحظة انخرط الجميع في البكاء الشديد حتى الضابط لم يتمالك نفسه فبكى من شدة الموقف ثم استداروا واتجهوا إلى عنبرهم وفي الصباح تكرر نفس المشهد وهم يخرجون ليركبوا سيارات الترحيلة فكان الحزن يخيم على المكان وكان خويلد يخفف الأمر بدعابته المعهودة وأنشد لهم نفس النشيد ومدحت يمسك بأخيه محمد وانهار في بكاء شديد وخويلد ينشد لهم وداعا وداعا أيا إخوتي وبعض الإخوة يصرخ فيه والدموع تنهمر من عينيه لا تقل ذلك إنكم سترجعون مرة أخرى لن تعدموا وخويلد يلوح بيده وداعا وداعا أيا إخوتي حتى ركبوا إلى السيارة وجلس الجميع في السجن ينتظر الأحكام من خلال نشرات الأخبار في الراديو، أما سيارة الترحيلة فقد شقت طريقها في شوارع القاهرة إلى مقر المحكمة في الهايكستب وسط حراسة مشددة وقد ارتدى خويلد وفتحي وعبد الحميد فانلات حمراء مكتوب عليها مرحبا بالشهادة وقد حضر عدد كبير من الأهالي ليعرفوا الأحكام وعند بداية الجلسة لاحظ والد محمد عبد الله عدم وجود ابنه مع الباقين فأخبر القاضي وسأله عنه في هذه اللحظة كان محمد قادم من الخارج فهتف فسمعه باقي الإخوة في القفص فهتفوا أيضا فارتجت المحكمة من شدة الهتافات ثم بدأ القاضي بتلاوة الأحكام فبدأ بالبراءة وكان عددهم قليل فعلم جميع الحاضرين أن الأحكام شديدة ثم بالأحكام ثلاثة سنوات وخمسة وعددهم قليل أيضا ثم بدأ بالعشر سنوات فصرخت إحدى النساء فانفجرت القاعة بالصراخ والبكاء من الأهالي وعند ذلك خرج القضاة بسرعة من القاعة خشية من ثورة الناس عليهم أما في داخل القفص فكان المشهد مختلف، فعندما علم المحكوم عليهم بالإعدام سجدوا لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت