فهرس الكتاب
-مأساة سجن الوادي الجديد
ألا يا واديا يحيي بعيدا *** عن الأوطان منفردا وحيدا
بعدما تبنت الدولة سياسة تجفيف المنابع وتوسيع دائرة الاشتباه، واكبت ذلك في التوسع في بناء سجون جديدة بعيدة عن العمران مثلما كانت السجون القديمة والتي تقع بالقرب من مناطق سكنية، كل ذلك حتى يتسنى لها ممارسة سياستها الجديدة في تدمير هؤلاء المعتقلين، كان في كل سجن مكتب تابع للإدارة العليا لجهاز أمن الدولة حتى يشرف على تنفيذ تلك السياسة فكانت هذه السجون بعيدة تماما عن تطبيق أي قوانين أو لوائح خاصة بحقوق المسجونين أو حتى حقوق الحيوان فضلا عن الإنسان.
كان سجن الوادي الجديد من ضمن السجون التي بنيت حديثا وقد تم بناؤه في عمق الصحراء حتى يكون بمثابة منفى إجباري حتى تزداد معاناتهم.
بدأت الترحيلات تتجه إلى سجن الوادي في شهر رمضان في بداية سنة 1995 وكانت نقطة الانطلاق هو سجن استقبال طرة حيث كان يتم التجميع فيه من مختلف الجهات ثم يتم الترحيل بعد ذلك على دفعات كبيرة تصل أحيانا إلى أكثر من أربعمائة فرد وقد استمرت الترحيلات بصورة شبه أسبوعية لمدة شهرين حتى وصل العدد في السجن هناك إلى أكثر من أربعة آلاف فرد.
كانت الرحلة إلى الوادي طويلة وشاقة وكان الزحام شديد في السيارة وقد بلغ العدد إلى خمسة وأربعين فرد هذا بخلاف الأمتعة فكانوا لا يستطيعون الحركة حتى إن البعض كان لا يجد مكان يضع فيه قدميه أثناء الوقوف فكان يقف فترة على إحدى قديمه ثم يبدل بالأخرى، كانت تمر عليهم ساعات الليل والنهار ولا يبدو في الأفق نهاية لهذه الرحلة والتي كان لا يعرف البعض لها وجهة فأقصى ما يعرفونه أنه في مكان بعيد ولكن أين لا أحد يعرف، لم يكن المكان فقط هو المجهول لهم بل كان المصير الذي ينتظرهم هو أيضا مجهول.
في هذه اللحظات كان البعض تمر من أمامه الذكريات وتتلاحق الصور خلف بعضها وتتراأي أمامه من بعيد صورة أبنائه وأطفاله الصغار وهم يلتفون حوله ويتشبثون به وصورة أمه والتي كادت أن تفقد بصرها من كثرة النواح كالثكلى فربما كان اللقاء الأخير هو آخر لقاء بينهم فهل من الممكن أن تدور عجلة الزمان ويلتقي بهم بعد طول الفراق؟ أم أن نظراتهم الأخيرة إليه عند وداعه هي نظرات الوداع الأخير، بل ربما