فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 426

تكون هذه الأشجار والتي تمر أمامهم من السيارة أثناء الطريق تصبح ذكرى في طي النسيان، بل قد تكون الحياة كلها ذكريات طوتها صفحات الزمان.

لقد كان هناك شعور عند البعض يتردد في أعماق ذاته وإن كان لا يبوح به إن هذا السجن والذي بني في هذه الصحراء القاحلة ربما يكون مقبرة جماعية لهذه الألوف ويزداد يقينه عندما ينظر من السيارة فلا يرى على مرمى البصر إلا رمال صفراء تعكس وهج الشمس في النهار وينظر من الاتجاه الآخر فلا يرى إلا تلال ووديان فلا أثر لأي حياة لمسافة أكثر من مائتين كيلو متر تسير فيهم السيارة في الصحراء وقد لخص أحدهم الموقف عندما لاح السجن من بعيد وكأنه قرص دائري في وسط هذه الصحراء فنظر من الشباك ثم التفت إليهم وكأنه يودع الحياة ويلخص لهم ما هم مقدمون عليه وقال سلام عليك أيتها الدنيا.

توقفت السيارات أمام بوابة السجن بعدما يقرب من أربعة عشر ساعة من الإرهاق والتعب والزحام الشديد ثم فتحت البوابة وتحركت أول سيارة في اتجاه السجن وعندما تخطت حاجز البوابة أغلقت وكأنما ابتلعها السجن، كان الجميع في الخارج يترقب ويتطلع لعل أحد يستطيع أن يعرف مصير من في السيارة الأولى فهل ستتوقف مسيرة الحياة عند هذه البوابة أم ستعبر معهم نهر الحياة إلى داخل هذا المكان المجهول؟ كانت هذه أسئلة تدور في الأذهان في هذه اللحظات الحاسمة والتي كان السكون يلف المكان والصمت يضرب بأطنابه حولهم مما يزيد الأمر حيرة.

كان المشهد من الداخل يختلف تماما فكانت الصورة مرعبة فهناك أعداد كبيرة من القوات منتشرة في المكان في تشكيلات وأوضاع مختلفة وكان يوجد عدد كبير من الضباط والمخبرين يتوسطون تلك القوات، والذي كان بعضهم يقف أمام البوابة من الداخل في ساحة السجن وآخرين في داخل مبنى الإدارة وآخرين منتشرين في الطرق المؤدية إلى العنابر وقد وقفوا وكأنهم وحوش ضارية، ينتظرون الفريسة التي ستلقى إليهم ليفترسوها، فما أن تدخل السيارة وتغلق البوابة خلفها حتى يهرع إليها عدد من العساكر يلتفون حول السيارة ويضربون جوانبها بالعصي ليبثوا الرعب في قلوب من بداخلها مع الشتائم والسباب والتهديد والوعيد بما سيجدونه فما أن يفتح باب السيارة الخلفي حتى تصعد هذه الوحوش لتلتهم ضحيتها فلا ينتظرون أن تنزل إليهم بل كانوا يدفعونهم من أعلى السلالم ليسقط الجميع على بعض ثم يجلسون على الأرض بجانب السيارة لفك الكلابشات وأخذ جميع المتعلقات منهم كالمصحف والشباشب والساعات حتى إنهم لم يستجيبوا لتوسلات أحدهم عندما طلب منهم أن يتركوا له نظارته لأنه لا يستطيع أن يرى بدونها، كما كانوا يجردونهم من ملابسهم وكان يتم ذلك وسط صفعات بالأيدي وركلات بالأرجل والذي لا يعتبر شيء لما سيلاقونه بعد ذلك، وكان البعض من شدة الارتباك لا يدري ماذا يفعل هل يخلع ملابسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت