فهرس الكتاب
عنبر يقف أحد الضباط وفي يده عصى يضرب بها كل من يزحف من بين قدميه، كان على الجميع أن يقبل مدخل العنبر أثناء الزحف قبل الدخول إلى العنبر كما كان عليهم ألا يرفع أحد رأسه إلى أعلى منذ لحظة دخوله السجن حتى لا يرى أحد ولا ما يحدث حوله وعندما اخطأ أحدهم ورفع رأسه فلمحه الضابط فما كان من العسكري الذي يقف بجواره إلا أن ضربه على رأسه فاصطدمت بالأرض فتدفق الدم منه بغزارة يملأ الأرض ثم كان جزاؤه على ما فعله أن يقبل الحذاء الميري للضابط وكان هذا ما أمر به فركله العسكري بقدمه بقوة على فمه المصاب ليقبل حذائه والدماء تتساقط عليها ثم أكمل مسيرة الزحف بين قدمي الضابط إلى داخل العنبر وعندما وصل بمنتصف جسمه بين قدميه أغلقهما عليه وأخذ ينهال عليه بالعصي التي كانت في يده ثم تركه بعد ذلك ليواصل الزحف إلى داخل العنبر ليجد أمين الشرطة ومجموعة من العساكر يتلقون من يأتي إليهم بالضرب والزحف على الأرض مع وضع أيديهم خلف ظهورهم حتى باب الزنزانة ثم يتم دفعهم إلى الداخل وغلق الباب عليهم.
وقد لخص أحد الزبانية فلسفة السجن عندما كان يقف وسط هذه المجزرة ويقول مفتخرا"إن الله عندما خلق جهنم نسي جزء منها، هذا السجن هو ذلك الجزء الذي نسيه الله من جنهم"، قال ذلك حتى يقطع عليهم أي أمل في رحمة أو شفقه أو أن ترق لهم قلوب أحد منهم في هذا المكان.
لا يشك أحد منذ أن وطئت قدماه السجن ورأى ما رأى أن الحياة فيه ستكون سهلة بل قاسية ولكن لم يكن يتصور أن تكون بهذا الحجم من القسوة، فعندما كانت تأتي كل مجموعة يتم دفعهم داخل الزنزانة فبعضهم لم يجد شيء في الزنزانة والبعض الآخر وجد بدلة لكل واحد وبطانية، وقد باتوا ليلتهم وقد بلغ بهم من الإعياء والجهد مبلغ فقد اجتمع عليهم عذاب السفر بلا نوم أو طعام مع الإجهاد والإرهاق نتيجة رحلة العذاب من باب السجن إلى باب الزنزانة والتي استغرقت من آذان الظهر إلى آذان المغرب ولم يمنعهم من مواصلة المسيرة إلا أن تركوهم بهذه الحالة بلا طعام أو شراب وذهبوا ليتناولوا طعام إفطارهم لأنه كان يوم من أيام شهر رمضان وكأن هؤلاء الأسرى هم من اليهود وليسوا مسلمين لم تكن جريرتهم إلا أن وقفوا ضد الظلم و الطغيان ثم عادوا مرة أخرى بعد صلاة العشاء ليكملوا معهم مسلسل التعذيب، وقد باتوا ليلتهم وهم منزوون في أحد الزوايا منكمشون على أنفسهم من شدة البرد يفترشون الأرض ويلتحفون بجلودهم ولا يجدون ما يسد به رمقهم من شدة الجوع فباتوا ولا يعرف أحد ما مصيره ولا كيف ستسير بهم حياتهم ولا ما تخبئ لهم الأيام في باطنها.
كان عليهم أن يستيقظوا كل يوم في الصباح عند استلام الوردية الأولى في حوإلي الساعة السادسة صباحا ليضع كل واحد منهم بطانيته في مكان واحد في الزنزانة ويقفوا في اتجاه الحائط رافعين أيديهم إلى