فهرس الكتاب
أعلى وينظمون بأرجلهم (أي الجري في المكان) وكانت عملية مجهدة وخاصة أن هذا الوضع كان يستمر في الفترات الأولى إلى استلام الوردية الثانية في حوالي السادسة مساء وكان في أثناء هذه الفترة الممتدة يقوم أمين الشرطة وعدد من العساكر بالانتشار في طرقة العنبر والنظر من حين لآخر في نافذة الباب ليتأكد من تنفيذ تلك التعليمات وكان لا يجرؤ أحد على أن يخالفها حتى إذا أراد أحد أن يذهب إلى دورة المياه لا يكون إلا خلسة وبسرعة مخافة أن يراه أحد.
كان تعيين الطعام يوزع أحيانا مرة واحدة وأحيانا مرتين أثناء النهار، وبسبب عدم وجود أطباق معهم في البداية فكانوا يضعون لهم الطعام على الأرض مباشرة يصنعون حوض أو اثنين وسط كمية الأرز ويضعون فيها العدس، أما الخبز فكانوا يرمونه على الأرض ويضعون فوقه قطعة الجبن إلى أن تم بعد ذلك توزيع عدة أطباق بلاستيك لكل زنزانة وجردلا فكان الجردل مخصص للزبالة في الليل وبقية النهار وعند استلام الطعام يتم غسله واستلام الطعام فيه وكانوا أحيانا يضعون لهم الطعام فوق الزبالة.
كانت المياه لا تمثل مشكلة في البداية فكانت تأتي منتظمة ثم بعد فترة بدأت تمثل لهم معاناة فكانت تنقطع لمدة يومين أو ثلاثة متواصلة ثم تأتي لفترة قصيرة من ساعات الليل وكأنهم يريدون أن يحرموهم من راحة الليل أيضا، بجانب إجهاد النهار، فكانوا يستيقظون لتخزين الماء في أطباق الطعام للشراب منها أثناء فترة الانقطاع وعند توزيع التعيين في النهار كانت بعض الزنازين تعمل بركة من المياه في جزء منخفض من الأرض ثم يشربون منها عند اللزوم.
كان غسيل الأطباق لاستلام التعيين فيها يتم بدون أي منظفات لعدم وجود صابون أو رابسو أو غيره وكان يتم توزيع قطعة واحدة من الصابون كل شهر على عدة زنازين حيث يتم تقسيمها إلى قطع صغيرة لا تتعدى السنتيمترات، كان حلم الاستحمام يراود الكثير ولكن هيهات في تلك الظروف فمن يراوده هذا الحلم كان عليه أن ينتظر عدة أشهر حتى يحققه عندما سمحوا بدخول بعض قطع الصابون في الزيارة.
هناك الكثير من الأشياء التي كانت تعد من الكماليات لا ينبغي الالتفات إليها، فكان لا يوجد ملابس سوى هذه البدلة والتي تمزقت أوصالها بفعل الزمن فكانت تظهر أكثر مما تستر وكان يتم استبدالها أحيانا كل أسبوعين ثم بعد ذلك كانت تستبدل كل عدة أشهر بعد أن تكون مهملة لا تصلح لشيء، أما البطاطين فهي واحدة أو اثنين ولا يسمح لهم بالزيادة مهما كانت قسوة البرد في فصل الشتاء.
كانوا لا يتركونهم يتجرعون مرارة الظروف والتي صنعوها لهم وهي كفيلة بتدمير الجبال الرواسي بل زادوا الأمر قسوة فوق مرارة ما يتجرعونه، فكانوا يسومونهم سوء العذاب صباحا ومساء وليلا ونهارا،