فهرس الكتاب
فيبدأون يومهم عند استلام الوردية بالضرب الإهانات وكذلك عند تسليمها مساءا يكون نفس الأمر وكذلك عند توزيع التعيين تدخل مجموعة من العساكر تضرب كل أفراد الزنزانة وكأنهم يدفعون ثمن إطعامهم وهذا كله بخلاف التفتيش الدوري والذي كان يقوم به ضابط العنبر وعدد كبير من القوات والذي كان بصفة يومية في البداية ثم أسبوعين بعد ذلك وكان على الجميع أن ينتظر ما يحدث لهم من الويلات عندما يسمعون صيحاتهم المرعبة عند دخولهم العنبر وكانت حالة الوجود تكون بادية على الوجوه كمن ينتظر كلما انتهى من زنزانة واقترب من الأخرى وكان يتخلل كل ذلك حملات مصلحة السجون التأديبية والتي كانت لا يكفيها ما كان يتعرض له السجن من إبادة جماعية فكانت تأتي لتبطش بالجميع بلا رحمة.
كان إشاعة حالة الترقب والخوف بصفة عامة كان الهدف منها إتباع سياسة الإرهاب النفسي والبدني فإلى جانب ما سبق من حملات تعذيبية شبه منتظمة تركوا الحبل على غاربه لزبانيتهم الصغار يتلاعبون بهم كيفما يشاءون ويحدثوا فيهم من التنكيل والبطش كما يريدون، فكان أمين الشرطة وهو المسئول عن شئون العنبر كان يدخل أي زنزانة في أي وقت ليقطع عن نفسه حالة الملل بتعذيب هؤلاء المقهورين فكان يأمرهم عندما يصفق بيديه ينبطح الجميع على الأرض وإذا صفق مرة أخرى يهبوا واقفين فكان يفعل ذلك بهم حتى يبلغ بهم الجهد والإعياء مبلغه فيتركهم ويذهب إلى زنزانة أخرى، وعندما اعترض أحدهم على بطشه أثناء توزيع التعيين عندما قام بضرب من يستلم التعيين منهم على صدره فمنع وصول يده إلى صدره فما كان منه إلا أن نظر إليه نظرة يفهم منها معناها من الوعيد ثم خرج وبعد قليل جاءت قوات من السجن وأخذوا ذلك الأخ إلى خارج الزنزانة وأوسعوه ضربا حتى كادت روحه أن تفارق جسده وفي نفس الوقت كانت هناك مجموعة أخرى تبطش بمن معه في الزنزانة كنوع من سياسة العقاب الجماعي ثم حملوه جثة هامدة بين الحياة والموت ورموه في أرضية الزنزانة ولا يشك أحد أنه ينازع الموت لأنه كان يخرج من فمه سائل أبيض، لم يتركوا الأمر يمر بدون أن يحدثوا أكبر قدر من النكاية فجاءت قوات أخرى ضخمة ليذيقوا جميع العنبر سوء العذاب بما فيهم تلك الزنزانة ونفس الشخص الذي كان ممددا على الأرض لا يستطيع حراكا.
لم يكن تجرؤهم على انتهاك حرمة النفس البشرية فقط بل كان تجرؤهم على شعائر وحرمات الله أشد فكان لا يسمح بالآذان وكانوا يتتبعون الصوت عند سماع الآذان ليعرفوا مصدره ويضربوا صاحبه حتى يمتنع عن ذلك وكان ينال من معه أيضا الإيذاء والتنكيل بهم بل كانت صلاة الجماعة أيضا ممنوعة فإذا دخلوا زنزانة ووجودهم يصلون جماعة يأمروا الإمام أن يخرج من الصلاة فإذا لم يستجب كان يتم سحبه أثناء الصلاة وضربه ومن معه ولكن كان هناك تصميم على أداء تلك الشعائر مهما كلف الأمر من تعذيب،