فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 426

انتقاله بسرعة بسبب اختلاط المرضى بغيرهم وعندما استعصى الأمر قاموا بتجميع أعداد كبيرة وصلت إلى ثلاثمائة في أحد العنابر وهذا بخلاف من رفض الخروج لعلمه المسبق بعدم اهتمامهم بالمرضى وعندما زاد الأمر أكثر فأكثر قاموا بتخصيص زنزانة في كل عنبر للمرضى ومع ذلك لم يكن هناك أي رعاية أو اهتمام بهم وكان وضعهم في الزنازين أفضل حالا لأنهم يجدوا من يرعاهم ويحاول أن يوفر لهم الطعام حتى ولو على حساب نفسه، فمن كانت إصابته بالمرض ضعيفة زادت نسبة المرض وتمكن منه نتيجة اختلاطه بغيره من المرضى وكثير منهم قد أصيب بانتكاسة شديدة نتيجة انقطاع العلاج عنه لفترات وهذه الانتكاسة تأثيرها أشد من الحالة الأولى ثم إنهم بعد ذلك قاموا بتوزيعهم مرة أخرى على السجن كله وكأنهم يريدون أن ينشروا المرض في جميع أنحاء السجن وكان يدخل على من تبقى من المرضى في ذلك العنبر بعض القادمين من الخارج ليسكنوا معهم في نفس المكان فيجدون حالتهم سيئة وكأنهم أشباح في صورة آدميين فأجسادهم نحيلة وعظامهم تكاد تشق طريقها من ثناياها جلودهم ووجوههم شاحبة صفراء اللون وقد ارتسمت عليها آلام الحياة، وملابسهم رثة قد تمزقت أوصالها ولا يجدون ما يرقعونها به، كانوا يتحركون وكأنهم موتى قد خرجوا من قبورهم، تلك هي الصورة التي يراها القادمون إليهم من الخارج.

كذلك انتشرت كثير من الأمراض الجلدية نتيجة سوء التهوية وعدم التعرض للشمس لسنوات طويلة وعدم وجود أي علاج وسوء الرعاية الصحية وخاصة أن المسئول عن رعايتهم صحيا وهو طبيب السجن كان يصب جام غضبه عليهم ويحملهم مسئولية مجيئه في هذا المكان فكان أفضلهم حالا من يرفض إجراء الكشف على المرضى أما بعضهم فكان ينتقم منهم إما بالإشراف على التعذيب أو أن يشارك بنفسه في تعذيبهم ونتيجة هذه الأسباب كانت حالتهم المرضية تتدهور فكثرت التقيحات الصديد حتى ملئ معظم أجسادهم فتم عزلهم في زنزانة في كل عنبر وكانوا يأتون كل يوم لضربهم ثم أخذهم إلى الحمامات وضربهم مرة أخرى وكانت هذه هي رعايته لهم واهتمامهم بهم، وكان يدخل عليهم الضابط ممتنا ويقف ويشرح لهم عن المشاق التي لاقاها والمعاناة التي تكبدها من أجل أن يأتي لهم بالعلاج ومسيرة كفاحه وكان أثناء حديثه يقوم بعض العساكر بتوزيع بعض الركلات والصفعات، ثم بعد أن يلقي محاضرته الطويلة يعطيهم قطعة مرهم في حجم عقلة الإصبع لجميع أفراد الزنزانة كلها ثم يخرج مزهوا بهذا العمل الخيري الذي صنعه لهم.

كانت رائحة الموت تفوح من أماكن مختلفة من السجن وتنتقل من مكان إلى مكان لتخلف وراءها الكثير من ضحايا التعذيب والإهمال والضغوط النفسية والعصبية، فالأخ محمد جاد الكريم والذي كان مثالا للحيوية والنشاط قد أصيب بضعف شديد وفقدان الشهية عن الطعام نتيجة الظروف القاسية التي تحيط

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت