فهرس الكتاب
حتى الخروج للتهوية في هذا الزحام، وكنا ننام في الليل بالتناوب على فترتين وأحيانا فترات فالبعض كان ينام أول الليل والبعض الآخر ينام آخر الليل.
كانت الأطباق البلاستيك والتي سمحوا لنا بها بعد ذلك كانت تستخدم لأغراض مختلفة فهي في الليل تستخدم كمخدة نضعها تحت رؤوسنا لننام عليها وكانت غالبا لا تكفي الأعداد كلها فكان البعض يضع يده كبديل لينام عليها وأما في النهار فهي لاستلام الطعام وكانت أيضا لتخزين الماء والذي كثيرا ما تنقطع لعدة أيام وقد وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثين يوما حتى إن الكثير كان لا يستطيع أن يتحرك بسبب قلة الماء في هذا الحر الشديد وشدة العطش وكان يوزع خلال هذه الأيام كمية قليلة جدا لكل زنزانة بعد عناء شديد وإلحاح في المطالبة حتى سمحوا بتوزيع هذه الكمية والتي كانت ممزوجة بالصدأ نتيجة سوء التخزين وقد أصيب البعض بأمراض في الكلى بسبب هذا الصدأ، فعندما يكون الماء قليل كنا نقنن استخدامه فيكون للشرب فقط أما باقي الاستخدامات فهي بعيدة المنال حتى إن الصلاة كنا نتيمم لها وأحيانا لا نجد التراب للتيمم فكنا نصلي فاقد الطهورين.
كنا فاقدين لعنصر الوقت والزمن فلا نعرف مواقيت الصلاة ولا اتجاه القبلة إلا بصعوبة شديدة حتى إننا في بعض الصلوات وخاصة الليلية نصليها أكثر من مرة حتى القبلة كنا نصليها في اتجاهات مختلفة لعدم معرفتنا للاتجاه الصحيح والذي عرفناه بعد فترة، أما شهر رمضان فكنا لا ندري متى بدأ ولا متى انتهى حتى إننا في أحد السنوات علمنا أن الشهر قد انتهى وأن اليوم عيد في منتصف النهار، وكانوا إذا وجدوا ساعة تسربت إلينا لمعرفة مواعيد الصلاة يأخذوها.
كان المصحف من الأشياء غير مسموح بها في السجن وكانوا يطاردون وجود أي مصحف معنا، فمن لحظة دخولنا إلى السجن قاموا بأخذ جميع المصاحف ولم يتركوا منها شيء وكان عندما يتسرب إلينا مصحف نقوم بتجزئته إلى عدة أجزاء حتى يتسنى لجميع أفراد العنبر كله القراءة وكان يتم التبادل بالتناوب بين الزنازين وكانت نوعا من المخاطرة أن ينقل من زنزانة إلى أخرى، وإذا أراد أحد القراءة ملزمة مصحف صغيرة كان عليه أن يخفيها أثناء القراءة حتى لا يراه أحد فكانت هناك أعداد منتشرة في داخل العنبر وفوق سطح العنبر ينظرون خلسة من نافذة الباب من الداخل حتى يلمحوا أحد يقرأ وكذلك الذين يسيرون في أعلى ينظرون من النافذة إلى أسفل الزنزانة لعلهم يجدوا أحد معه شيء فينزلون بسرعة ويأخذوها منه، فكانوا يسيرون بالليل والنهار من فوق ومن أسفل لعلهم يلحظون أحد معه ملزمة أو مصحف وكأنهم قد أعلنوا الحرب على وجوده معنا حتى إن شغلهم الشاغل أثناء التفتيشات هو البحث عنه في الزنازين فإذا وجدوا شيئا أخذوه وكنا نجتهد أن نخفيه عن أعينهم بأي وسيلة ولكني بلا جدوى وكنا نتوسل إليهم