فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 426

كانت المجموعات التي دخلت السجن في مراحله الأولى قد تركوهم في هذا المنظر بلا ملابس لأكثر من ثلاثين يوما في الشتاء القارص ودمائهم لازالت تسيل وجراحهم لم تندمل بعد.

ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد بل إنهم قد أطلقوا وحوشهم الضارية الصول عبد العالم ومعاونيه كالكلاب المسعورة ينهشون في أجسادنا ويمزقون منها كما يشاءون ويلغون في دمائنا كما يحلو لهم بلا رقيب لهم أو حسيب عليهم، ومن يجدونه منهم لديه أي شفقة علينا يوبخونه، فعندما توفي أحدنا من شدة التعذيب ارتعد أحد معاوني عبد العالم وكان حارس العنبر فارتجف من هول المنظر لأنه كان يقف بجواره وهو في سكرات الموت فعندما رأى منه الضابط ذلك نهره بشدة واعتبر هذا الفعل سبة في حقه لأنه لا ينبغي أن تأخذه رحمة أو شفقة فانطلق بعدها لا يبالي بمن مات أو بمن كسر من شدة الضرب، ورغم ما تسرب من أخبار التعذيب والممارسات الوحشية إلى بعض الصحف وخاصة ممارسات عبد العال إلا أن ذلك لم يزده إلا طغيانا فوق طغيانه، لقد كان لهم مطلق الحرية في ابتكار طرق التعذيب المختلفة وممارستها معنا والتي لها صور مختلفة.

فقد كان علينا عند فتح باب الزنزانة لأي سبب من الأسباب أن نهب واقفين بسرعة إلى الحائط رافعين أيدينا إلى أعلى حتى عندما يأتي في الصباح ويجد البعض مستغرقا في النوم يقوم بركله بحذائه حتى يقف مع الباقين، وعندما يخالف أحد تلك التعليمات فعليه أن ينتظر مصيره، ففي يوم الجمعة وقبل الصلاة مباشرة فتح أحد الحراس الزنزانة فوقف الجميع ما عدا شخص واحد كان يصلي ركعتين وعندما انتهى لم يقف مع من وقف فما كان منه إلا أن توعد أفراد الزنزانة ككل وتركنا وانصرف ولم يمض وقت طويل حتى سمعنا صيحات كثيرة من القوات وصخب وجلبة فكانوا يضربون أبواب الزنازين في الطريق بالعصي التي معهم حتى أخرجوا أفراد الزنزانة كلهم معصوبي الأعين وانهالوا على الجميع بالضرب لم يفرقوا بين أحد وكان الضرب بوحشية حتى إن أحدهم كان يضرب مؤخرة رأس أحد الإخوة بمفتاح حديد في يده كان علينا أن ندفع ثمن ما اعتبره هو خطأ مع إننا لم نشارك فيه ولكنها كانت سياسة العقاب الجماعي، وكان يحمل كل منا شخص آخر فوق كتفه ويقف على قدم واحدة والضرب ينزل على الجميع الأعلى والأسفل حتى أدميت ظهورنا العارية من كثرة الضرب أما الأخ الذي لم يقف فقد أخذوه في جانب بمفرده في وسط دائرة من العساكر فكانوا يدفعونه لبعض فهذا يلكمه بيده وهذا ضارب بكل قوته في صدره أو بطنه إلى آخر وهكذا فكان يدور في تلك الدائرة وبعد أن انتهينا أخذوه بمفرده إلى التأديب وعدنا نحن إلى الزنزانة لنجد أن جميع محتوياتها قد قلبت رأسا على عقب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت