فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 426

مجموعة تجلس في اتجاه الحائط للحلاقة والتشويه ومجموعة أخرى تزحف على الأرض وأيديهم خلف ظهورهم وأجسادهم عارية ويتوسطهم من يلهب ظهورهم بالسياط وأخرى بجوارها تمشي في وضع القرفصاء وتضع أيديهم فوق رؤوسهم ويهوي عليهم الضرب من كل مكان وإذا سقط أحد على الأرض كان لا يعرف مصيره من شدة التعذيب وأخرى تجلس في مقابل الأولى في اتجاه الجدار الآخر وكانت مع كل مجموعة عدد يقوم بتعذيبهم وأعداد أخرى تنتشر في المكان لتبطش بكل من يقع تحت أيديهم وكانت كل مجموعة تدخل مكان الأخرى حتى كان البعض يسقط من الإعياء والإجهاد وكانوا لا يراعون مرضى أو غيرهم وعندما تنتهي كل مجموعة ترجع مرة أخرى إلى الزنزانة ولا تسلم من الضرب أثناء الطريق ثم ليجدوا أن جميع محتويات الزنزانة قد دمرت تماما وقلبوا كل شيء رأسا على عقب سواء ملابس أو طعام أو مياه أو أي منظفات رابسوا أو صابون كل شيء فوق بعض حتى إننا كنا لا نجد الملح لنأكله في صباح اليوم العيد والذي جاء بعد يومين وقد أدركنا عندما تسربت إلينا بعض الأخبار أن ذلك كان سبب حادثة فندق أوروبا، لم تكن هذه هي سياسة هذا السجن فقط، فلقد قاموا بذلك أيضا في سجون أخرى مثلما حدث في ليمان أبي زعبل وكذلك سجن استقبال طرة.

لقد كانت سياسة التضييق تمارس ضدنا بكل أشكالها وصنوفها فلقد ضاقت بنا الجدران من شدة الزحام كما أننا كنا ننتقل من ظلام إلى ظلام لا يقطعه سوى بصيص ضوء النهار فلقد كان ليلنا ظلام دامس لا نرى فيه شيء حتى إننا كنا نتحسس الطعام الذي نأكله كلما أخذنا لقمة وعاودنا نأخذ الثانية، كان كل من يريد أن ينتقل من مكان إلى آخر كان عليه أن يسبح في ذلك الظلام ليسقط على هذه الكتل البشرية المتراصة وكأنهم موتى يتدثرون في أكفانهم ثم يحاول أن يسبح مرة أخرى ليذهب إلى وجهته لقضاء حاجته ولكن قلما أن ينجح بدون إحداث أي إصابات.

كان الجميع يلتحفون بذلك الظلام ويخلدون إلى النوم في هذا الزحام ليواجهوا الصعاب التي تنتظرهم أثناء النهار من هؤلاء الجلادين والذين لم يكتفوا بما يمارسونه من صنوف التعذيب المختلفة ولا ارتوى ظمؤهم من دمائنا التي تنزف فصاروا ينهبون منا طعامنا وملابسنا وأمتعتنا وكل ما تقع عليه أيديهم وكأننا أصبحنا كلأ مباحا لهم يرتعون فيه كما يشاءون، فكانوا ينتظرون العائدين من الزيارة ليأخذوا ما يستحسنونه دون اعتراض من أحد تحت التهديد النفسي بل إنه كان يدخل أحدهم بنفسه إلى الزنزانة ليأخذ ما يريده ثم ينصرف وأفراد الزنزانة واقفين في اتجاه الحائد لا يجرؤ أحد أن يلتفت خلفه أو أن يتفوه بشيء وإلا كان مصير الجميع هو الضرب الشديد حتى إنهم لم يتركوا الخبز الذي يوزع علينا وكأنهم قد استكثروه علينا فكان يمر أحدهم كل صباح ليدخل ويأخذ ما يشاء ثم ينصرف دون الالتفات إلى ما نعانيه من جوع حتى كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت