فهرس الكتاب
مجموعة تجلس في اتجاه الحائط للحلاقة والتشويه ومجموعة أخرى تزحف على الأرض وأيديهم خلف ظهورهم وأجسادهم عارية ويتوسطهم من يلهب ظهورهم بالسياط وأخرى بجوارها تمشي في وضع القرفصاء وتضع أيديهم فوق رؤوسهم ويهوي عليهم الضرب من كل مكان وإذا سقط أحد على الأرض كان لا يعرف مصيره من شدة التعذيب وأخرى تجلس في مقابل الأولى في اتجاه الجدار الآخر وكانت مع كل مجموعة عدد يقوم بتعذيبهم وأعداد أخرى تنتشر في المكان لتبطش بكل من يقع تحت أيديهم وكانت كل مجموعة تدخل مكان الأخرى حتى كان البعض يسقط من الإعياء والإجهاد وكانوا لا يراعون مرضى أو غيرهم وعندما تنتهي كل مجموعة ترجع مرة أخرى إلى الزنزانة ولا تسلم من الضرب أثناء الطريق ثم ليجدوا أن جميع محتويات الزنزانة قد دمرت تماما وقلبوا كل شيء رأسا على عقب سواء ملابس أو طعام أو مياه أو أي منظفات رابسوا أو صابون كل شيء فوق بعض حتى إننا كنا لا نجد الملح لنأكله في صباح اليوم العيد والذي جاء بعد يومين وقد أدركنا عندما تسربت إلينا بعض الأخبار أن ذلك كان سبب حادثة فندق أوروبا، لم تكن هذه هي سياسة هذا السجن فقط، فلقد قاموا بذلك أيضا في سجون أخرى مثلما حدث في ليمان أبي زعبل وكذلك سجن استقبال طرة.
لقد كانت سياسة التضييق تمارس ضدنا بكل أشكالها وصنوفها فلقد ضاقت بنا الجدران من شدة الزحام كما أننا كنا ننتقل من ظلام إلى ظلام لا يقطعه سوى بصيص ضوء النهار فلقد كان ليلنا ظلام دامس لا نرى فيه شيء حتى إننا كنا نتحسس الطعام الذي نأكله كلما أخذنا لقمة وعاودنا نأخذ الثانية، كان كل من يريد أن ينتقل من مكان إلى آخر كان عليه أن يسبح في ذلك الظلام ليسقط على هذه الكتل البشرية المتراصة وكأنهم موتى يتدثرون في أكفانهم ثم يحاول أن يسبح مرة أخرى ليذهب إلى وجهته لقضاء حاجته ولكن قلما أن ينجح بدون إحداث أي إصابات.
كان الجميع يلتحفون بذلك الظلام ويخلدون إلى النوم في هذا الزحام ليواجهوا الصعاب التي تنتظرهم أثناء النهار من هؤلاء الجلادين والذين لم يكتفوا بما يمارسونه من صنوف التعذيب المختلفة ولا ارتوى ظمؤهم من دمائنا التي تنزف فصاروا ينهبون منا طعامنا وملابسنا وأمتعتنا وكل ما تقع عليه أيديهم وكأننا أصبحنا كلأ مباحا لهم يرتعون فيه كما يشاءون، فكانوا ينتظرون العائدين من الزيارة ليأخذوا ما يستحسنونه دون اعتراض من أحد تحت التهديد النفسي بل إنه كان يدخل أحدهم بنفسه إلى الزنزانة ليأخذ ما يريده ثم ينصرف وأفراد الزنزانة واقفين في اتجاه الحائد لا يجرؤ أحد أن يلتفت خلفه أو أن يتفوه بشيء وإلا كان مصير الجميع هو الضرب الشديد حتى إنهم لم يتركوا الخبز الذي يوزع علينا وكأنهم قد استكثروه علينا فكان يمر أحدهم كل صباح ليدخل ويأخذ ما يشاء ثم ينصرف دون الالتفات إلى ما نعانيه من جوع حتى كان