فهرس الكتاب
البعض يحاول أن يخفي بعض قطع الخبز حتى لا يراها فيأخذها يستطيع أن يسد بها رمقه بعد أن ينصرف، وكان يصب جام الويلات على جميع الأفراد عندما يأتي أحد منهم من عنبر آخر ليستحوذ على الغنيمة كلها لنفسه وهؤلاء الواقفين لا يفرقون بين هذا أو ذاك لأنهم لا يرون أحد منهم ومهما حاولوا من تقديم الاعتذار له بذلك ولكن لم يشفع لهم عذرهم وكأننا أصبحنا حارسين لغنائمه منا، ألا ما أبشع سنوات القهر التي قضيناها في هذا السجن وما كنا نتجرعه من ذل ومن مهانة على أيدي هؤلاء والذين كانوا يتفننون في صنوف التعذيب والتي لا تنتهي صوره وأشكالها والتي كانت أحيانا تأتي في ظاهرها الرحمة وفي باطنها كل ألوان العذاب.
فعندما كانوا يأتون إلينا للخروج للاستحمام كنا نعلم ذلك من خلال الصخب والضجيج الذي يحدثه عبد العال وزبانيته في الصباح والعساكر التي تنتشر في طرقات العنبر لتنظر من نافذة الباب حتى يلاحظوا من يخالف التعليمات فعلى الجميع أن يخلع ملابسه ويظل واقفا رافعا يده إلى أعلى في انتظار الدور وكانت تخرج كل زنزانة على حدة فتبدأ معاناتهم من لحظة خروجهم وهم معصوبي الأعين يضع كل منهم يده على كتف من أمامه في طابور طويل في هذه الطرقة الضيقة وكان يقف على جنبات الطريق عدد من العساكر يضربون كلمن يمر عليهم، أحدهم بقدمه وآخر بيده وثالث بصفعة إلى أن يصل الجميع إلى مكان الاستحمام في نهاية العنبر ليجدوا في انتظارهم عبد العال ومعه عدد من العساكر فكانت تدخل كل مجموعة تحت الماء ثم تخرج والضرب ينهال عليهم أثناء الاستحمام ثم تدخل مجموعة أخرى إلى أن يتم تجميعهم في الخارج فكل مجموعة تخرج عليها أن تقف ووجوههم إلى الحائط رافعين أيديهم في انتظار باقي المجموعات وعندما يكتمل العدد ثم يبدأ الضرب مرة أخرى على ظهورنا والماء يتساقط منا ثم تبدأ رحلة العودة إلى الزنزانة والتي تكون أشد من الذهاب لأننا في أثناء الاستحمام كان أحدهم يقوم بنشر حبات الرابسو على الأرض وتكون أرجلنا مبللة بالماء وأجسادنا يتساقط منها الماء أيضا وكان علينا أن نجري بسرعة في هذا المكان لكي نتفادى الضرب الذي كان يأتينا من جنبات الطريق فكنا نسقط على الأرض من الرابسو الذي وضع لنا في الطريق ولا يكاد البعض يقف حتى يتوقف الضرب عليه حتى يسقط مرة أخرى وكان البعض يهيم على وجهه فهو لا يرى أحد ولا يسمع غير الصراخ والصخب الشديد فكان منا من يصطدم بالحائط أو أن يسقط بعض الأفراد على بعض نتيجة الاندفاع وسقوط أ؛ دهم وهكذا وأحيانا يكون السقوط متعمدا من قبل العسكري الذي يقف في الطريق بأن يضع قدمه حتى ينهال عليه بالضرب ويستمر الوضع هكذا بين سقوط ومحاولة للقيام بسرعة لتفادي الضرب إلى أن يصل الجميع باندفاع إلى الزنزانة والذي كان يقف بجوار الباب مجموعة من العساكر وكانوا قد وضعوا عند مدخل الزنزانة بعض