فهرس الكتاب
المراهم حتى يمر عليها من يأتي مندفعا فيسقط داخل الزنزانة ويأتي الآخر وهكذا يسقط الجميع فوق بعض وهم يقفون يضحكون من هذا المشهد الكوميدي ولكنها الكوميديا السوداء، كان هذا المشهد يكاد يتكرر كل أسبوع أو أسبوعين وخاصة في السنوات الأولى، لم يكن هذا الأمر من أجلنا فهم يعلمون إننا أ؛ رص الناس على النظافة ويوجد حمام في كل زنزانة ولكن من أجل أن نتجرع صنوف العذاب فكنا نعود في كل مرة وقد مسحنا الأرض بأجسادنا.
ويكاد أن يتكرر الأمر في صورة أخرى حيث الخروج إلى التهوية وتكون أيضا بالضرب والإهانات حتى ندخل إلى هذا المكان ونحن نضع العصابة على أعيننا وكنا لا نتحرك بل نجلس على الأرض فإما أن تلفحنا الشمس بلهيبها إن كان الوقت صيفا أو أن تأكل منا الرطوبة إذا كنا في فصل الشتاء ولا نسلم من الإيذاء أثناء الرجوع إلى الزنزانة.
وكذلك أيضا عندما يقومون بتوزيع بعض الأطعمة زيادة علينا والتي يسمونها ترفيهية - مع إنها كانت رديئة - فكنا ندفع ثمن ذلك في اليوم التالي حيث يقومون بضرب جميع أفراد العنبر حتى إننا كنا نبغض قدومها لأنها نذير شر لنا وكنا نتمنى ألا تأتي حتى لا نتجرع العذاب في اليوم التالي.
أما الزيارة فكانت لا تختلف عن مثيلاتها من المآسي حيث الضرب والسب والإهانات والتي تكاد لا ينجوا من ذلك أحد ولكن برغم ذلك كنا نحاول أن نستغل فرصة تجمعنا من زنازين مختلفة لمعرفة أخبار بعض وكان غير مسموح لنا بالكلام أو الحديث مع أحد ولكننا كنا نختلس بعض اللحظات التي لا نسمع فيها أي أصوات حولنا فيحاول كل واحد أن يهمس إلى من بجواره فإذا لمحه أحد كان أحيانا يضربهم بالعصي أو بحذائه قبل الخروج إلى الزيارة والتي لا تستغرق عدة دقائق ثم نعود مرة أخرى نحمل أكياس الطعام مع كمية الإهانات التي يتلقاها أحدنا إذا خرج.
لم نكن نحن فقط الذين نتلقى الإهانة، بل كان المصحف أيضا، فبالرغم من أنه لم يكن ممنوعا مثل بقية السجون فكان مسموحا به إلا أنه لم يسلم من التدنيس حيث كانت تطأ أقدامهم المصاحف أثناء وجودهم في الزنزانة للتفتيش حيث يطيحون بكل محتوياتها فوق بعض ويدوسونها بأحذيتهم، بل إن عبد العال في أحد المرات وجد قطعة قماش معلقة خلف الباب وكانت لتجميع المصاحف بها فانتزعها بشدة ثم رماها بما فيها من المصاحف في طرقة العنبر ولم يبالي بما فيها من كتاب الله.
كانت الأيام والليالي الطوال تمر بنا في هذا السجن رغم ما كان به من ظلمة الليل البهيم إلا أننا كنا ننتظر بزوغ فجر جديد.