فهرس الكتاب
-ومضات في الطريق
في وسط هذه الظلمة الحالكة كانت هناك منارات وعلامات ومواقف وعبر وومضات في الطريق نستضيئ بها ونسير في هداها كنور فجر يبزغ من بعيد يلوح في الأفق، وكشعاع أمل يبدد ظلمة الليل الطويل، فكثير من المواقف التي مرت بنا لها دلالاتها والتي تلقى بظلالها لتستجلي لنا الكثير من المعاني والتي نكاد نلمسها بأيدينا.
فعندما كانت تشتد بنا المحنة وتحيط بنا الخطوب من كل جانب، وتنقطع أسباب الأرض نطرق أبواب من يجيب المضطر إذا دعاه ففي هذه اللحظات الفارقة بين الهلاك والنجاة تدركنا معية الله فتنتشلنا من هذا الهلاك فكثير هي تلك المواقف.
ففي سجن الليمان حيث كانت الزيارة غير مسموح بها لعدة سنوات، كان يأتي لشخص واحد في هذه الفترة الطعام فقط فكان يقوم بتوزيعه محتملا مخاطر جمة والتعرض للتعذيب الوحشي وفي أثناء محاولة نقل الطعام من زنزانة إلى أخرى سقطت قطعة من اللحم أمام باب إحدى الغرف والتي معناها في ذلك الوقت - عندما يتم اكتشافها في الصباح - هو إيذاء الجميع، إيذاءا شديدا بما فيهم من قام بتوزيع وبعد محاولات مضنية لالتقاطها من خلال تلك الفتحات الضيقة في ثقوب الباب قد باءت جميعها بالفشل فما كان عليهم إلا أن ينتظروا مصيرهم الذي سيلاقونه ويعدوا أنفسهم لذلك وعندما جاء الحارس في الصباح وعندما اقترب من باب الغرفة كانوا واقفين وقد حبست أنفاسهم فما هي إلا لحظات ويفتح الباب وينظر تحت قدميه فيراها وهم قد أعياهم المرض فلا يتحملون تعذيبهم الوحشي الذي لا يرحم مريض قد هده المرض، ففي تلك اللحظات التي مرت كالدهر فما كاد أن يفتح الباب حتى جاءت خلفه قطة على غير المعتاد فالتقطتها بفمها وانصرفت دون أن يشعر بها فكانت سببا لنجاتهم من هلاك محدق بهم وقد حدث نفس الشيء في مرات كثيرة، فقد سقط كيس بأكمله في الطريق وقد يأسوا من مجيئه فدعوا الله أن يدبر لهم فما هي إلا لحظات حتى جاءت قطة وحملته بعيدا وكان من المعتاد أن تأخذ ما تريد وتترك الباقي ولنكها في هذه المرة حملته بالكامل، وفي مرة أخرى عندما سقطت ليمونة من الشباك الخلفي بين العنبرين وكانت مخاطرة شديدة من أجل توصيل الطعام إلى المرضى، فوقفوا وقد انقطعت بهم الحيل حتى جاءت ريح شديدة فحملتها بعيدا عنهم"وما يعلم جنود ربك إلا هو".