فهرس الكتاب
أما من المواقف التي يقف المرء مشدوها أمامها فهو ما حدث في سجن النطرون حيث كان يقوم عبد العال وزبانيته بحملاتهم التعذيبية والتي يبطشون فيها بالجميع، ففي إحدى المرات اشتد التعذيب وخاصة على من كان موجودا في تلك الزنازين المسماة بالتأديب في نهاية العنبر، ثم بعد أن نكل بهم بكل وسيلة جعل الكلاب تمزق بمخالبها في أجسادهم ولم يتركهم إلا جثث هامدة قد أعياها التعب وللإرهاق وهم في هذه الحالة دفع أحدهم في إحدى الغرف الضيقة فسقط على الأرض منهك القوى وجراحة لا زالت تنزف فاستلقى على ظهره لا يستطيع حراكا وقد أغلق عليه الباب بعد أن دفع معه أحد الكلاب البوليسية المتوحشة لتمزق ما تبقى من جسده وقفوا ينظرون إليه من خلف الباب وهو ينهش فيه، وفي تلك اللحظات كان الكلب بالقرب من فريسته ينتظر الإشارة من حارسه للانقضاض عليها أما هو فكان لا يستطيع إلا أن يحرك شفتيه بالدعاء إلى الله فما هذا الكلب إلا جندا من جنوده، وفي أثناء ذلك وعندما أعطاه حارسه إشارة الانقضاض عليه وقف ومشى في خطوات وئيدة وصعد فوق جسده العاري والتي كانت تلطخه الدماء ووقف على صدره أما هو فلم يستطع إلا أن يحرك يده المتعبة ووضعها أمام عينيه فقط كان لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك فقد أعياه التعذيب ولكن الكلب لم يفعل شيئا فقد وقف لحظات ثم نزل وعاد إلى مكانه مرة أخرى فاندهشوا جميعا من خلف الباب وأعطاه الحارس الإشارة مرة أخرى فوقف وصعد على صدره ورفع إحدى قدميه لينهش بها ثم أنزلها مرة أخرى ووضع الأخ يده مرة أخرى أمام عينيه لحميها ثم نزل مرة أخرى كأن شيئا ما يمنعه فأمره للمرة الثالثة فمشى في اتجاهه وصعد فوق صدره استعدادا للانقضاض عليه وفي هذه المرة لم يستطع أن يضع يده أمام من شدة التعب والكلب واقف بقدميه الأماميتين يتفرس بشدة إلى هذه الضحية وكأنه يعرفه منذ زمن بعيد أما هو فقد أغمض عينيه في تلك اللحظات منتظرا مصيره فلم يستطع أن يحرك حتى يده وبعد لحظات وعندما لم يحدث شيء فتح عينيه وصعد بها في تعب لينظر ماذا حدث فلأول مرة ينظر إلى الكلب وتلتقي نظراتهما ولكنه فوجئ بشيء غريب لم يحدث قبل ذلك وجد الدموع تتساقط من عين الكلب وكأنه يريد أن يقول له شيئا ولكنه لا يستطيع الكلام وعند هذه اللحظة فتحوا الباب وقد يأسوا منه فجرى الكلب بسرعة ولم يلتفت إلى حارسه وهو يأمره أن يتوقف، وفي لحظة فارقة أخرى، أحدق الخطر بإحدى الغرف في سجن الوادي عندما تباطئوا في تنفيذ النهوض بسرعة حسب التعليمات فجاءت قوات ضخمة ملئت أرجاء العنبر بأكمله صياحا وصخبا ورعبا وأخذوا في ضرب زنازين العنبر بأكمله زنزانة تلو الأخرى وصرخات الألم والاستغاثات تكاد أن تهز جدران المكان من شدتها وكلما اقتربوا من تلك الغرفة المعنية كلما تيقنوا أنهم هلكى لا محالة فهؤلاء الذين يسمعون صراخهم لا ذنب لهم والمقصود بمجيئهم هم فكانت ألسنتهم تلهج إلى الله بالدعاء وقد تعلقت قلوبهم بالذي نجى يونس من بطن الحوت حتى إذا كان الدور عليهم تركوهم ومضوا في تعذيب بقية الزنازين فظنوا أنهم تركوهم في النهاية