الصفحة 175 من 298

وتصحيحها في هذا العالم، فإن الوعد بعقوبة شديدة لأولئك الذين ارتكبوها، وكذلك أولئك الذين شجعوا عليها، أو تغاضوا عنها أو برروا لها، حتى لو كانوا من وراء كمبيوتر أو آلاف الأميال خلف الهاتف المحمول، هذا هو السبب في أننا ننصح في سبيل الله وقف هذه التجاوزات فورا وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

ربما هناك بعض الذين يفكرون في أنفسهم،"لماذا يجب أن أقلق؟ أنا مجاهد. سوف أستشهد وسوف يغفر لي خطاياي مع أول قطرة من دمي!"جوابي على ذلك هو في ثلاث نقاط:

أولا، كيف يمكن للمرء أن يكون واثقا من أنه سوف يموت شهيدا ولا يموت موتا طبيعيا؟

ثانيا، حتى لو مات شهيدا، كيف يمكن أن يكون على يقين من أن استشهاده سوف يكون مقبولا عند الله؟ وبعبارة أخرى، ليس كل شهيد في الدنيا هو الشهيد في الآخرةـ بالتأكيد سمعتم حديث (في صحيح مسلم وغيره) عن الرجل الذي قتل في المعركة وسمي (شهيد) من قبل المسلمين، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم أنه في الواقع في عذاب جهنم لأنه أخذ قطعة ملابس من الغنائم دون وجه حق، هذا هو الرجل الذي حرم الشهادة وأُرسل إلى الجحيم بسبب قطعة من الملابس أخذها دون وجه حق، فماذا عن شخص أخذ الحياة دون وجه حق، أو أخذ مواقع السلطة والقيادة دون وجه حق؟!

ثالثا، حتى لو تم قبول المرء شهيدا، فليست كل خطيئة مغفورة له تلقائيا، في الحديث وفي صحيح مسلم ومجموعات أخرى من الأحاديث، سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: (نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك) .

وقال العلماء مثل الإمام النووي رحمه الله وآخرون أن كلمة الدين في هذا الحديث فيها تنبيه على جميع حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين وانما يكفر حقوق الله تعالى وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - نعم ثم قال بعد ذلك إلا الدين. هذا هو السبب في أنه من الواجب إعادة كافة الحقوق إلى أصحابها هنا والآن، قبل فوات الأوان والندم الذي لا يفيد.

ألم يحن الوقت لمراجعة وتفقد النوايا والأفعال والتوبة الصادقة، لئلا يأتي أحد يوم القيامة فيجد جميع حسناته قد ذهبت مثل الغبار في مهب الريح؟ ألم تسمع الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره الذي سأل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الله أصحابه: (أتدرون من المفلس؟) . قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: (إن المفلس من أمتى يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت