الصفحة 11 من 41

وإذا عَدَوْت العهد القديم وجدت بني إسرائيل لم يؤلِّفوا كتابًا، والعهد القديم هذا

لم يشتمل على شيء يستحق الذكر، سوى ما جاء فيه من بعض الشعر الغنائي، وأما ما

احتواه من أمور أخرى، فيتألف من رُؤى أناسٍ متهوسين، ومن أخبارٍ باردة وأقاصيصَ

داعرةٍ ضارية.

وإذا عدوت القرآن، على ما يحتمل، لم تجد كتابًا نال من الحظوة في العالم كذلك

الكتاب، فالحق أن التوراة والقرآن هما الكتابان اللذان كان لهما في الدنيا من القرَّاء

ما لم يتفق لكتابٍ آخَر، والحق أن التوراة والقرآن كانَا أكثر الكتب تأثيرًا في النفوس،

وقد استلهمهما أعاظم الفاتحين، وبفعلهما انقضَّ العرب على الشرق، وباسمهما قامت

إمبراطورياتٌ عظيمة وهُدِمت إمبراطورياتٌ عظيمة أخرى.

وما للتوراة من نفوذٍ عجيب فيُعَدُّ من أبرز الأمثلة على شأن الأوهام الكبير في تاريخ

الأمم، والواقع أنه كان لهذا الكتاب حظٌّ مدهِشٌ لتلاوته من قِبَل ملايين البشر الذين

رأى كل واحد منهم أن ما أراده فيه، لا ما وَجَد فيه بالحقيقة، ولن يحدث مثل هذا

الحادث الناشئ عن الخيال المشوَّه على ذلك القياس الواسع في تاريخ العالم لا ريب، وما

الصفحات التي عرفت أجيال الآدميين المتعاقبة أن تجد فيها أسمى مبادئ الأخلاق، إلا

أخبار ما يتألف منه تاريخ اليهود من العهارة والذبح، ومن حِيَل يعقوب وزناء بنات

لوط وسِفاح داود والبغاء في المشارف وضروب التقتيل بلا رحمةٍ، وما إلى ذلك من أنباء

ذلك الشعب المتوحش التافهة تعلم الشعوب النصرانية منذ ألفَيْ سنة الطبيعة الحقيقية

لإلهها القادر على كل شيء، ونحن إذا ما رجعنا إلى ما هو أبعد من ذلك رأينا أن النظام

الكلداني الكوني القائل بالخلقة في سبعة أيام، وبآدم وحواء وبالجنة وبالطوفان وسفينة

نوح، هو الذي يُغذِّي أذهان أجيال الغرب منذ قرون كثيرة، وكان لا بد من جهد خارق

للعادة يأتي به خيال الشعوب الآرية لتعرف هذه الشعوب إلهها الحليم العام، من خلال

يَهْوَه الجبَّار العبوس الذي هو معبود بني إسرائيل الكئيب، هذا الطاغوت الذي ما انفك

يطالِب بالقرابين والمُحْرَقات واللحم المشوي والدم، وغدت الخرافات الصبيانية أو القبيحة

التي وضعها كاتبو التوراة - ليعلِّموا قومًا من الجهَّال أن إلههم يحكم بينهم رأسًا،

فيكافئهم ويجازيهم طورًا بعد طور على وجه واضح، والتي لم يكن لها غير أثر يسير في

كُفران اليهود، فرفض أحدُهم أيوبُ مبدأها الأساس يرفض الآمِر الناهي - قاعدةً للأديان

التي ارتضاها الغرب مدة عشرين قرنًا، فعدَّها أناسٌ مثل سان أوُغوستان وغليلو ونيوتن

وبسكال حقيقةً خالصة.

وإني حين ألاحظ مثل تلك الحوادث، أصِلُ مستنتجًا إلى أن الأوهام تمثِّل في تطوُّر

الأمم دورًا عظيمًا لا مبالغة في أهميته.

ولا أعُالِج في هذا الكتاب تاريخَ الأديان التي سيطرت على الغرب منذ نحو ألفَيْ سنة،

وتكوين هذه الأديان؛ لما يضيق به صدر كتابٍ كهذا الكتاب، ولا أبحث إذن في سلسلة

الأحوال التي استطاع بها الشعب اليهودي، الذي هو أكثر الناس تمرُّدًا على مبادئ عِرقه

البسيطة الكبرى، أن ينشر هذه المبادئ في العالَم، ولا أبيِّن إذن أن النصرانية لم تكن حادثًا

مفاجئًا خلافًا لما يُعَلَّم، وأنها ترتبط بسلسلة من التطورات التدريجية في الزُّونِ الكلداني

القديم، وفي أطوار الديانات الآرية الفطرية القديمة، وإنما أقتصر على بياني نصيب اليهود

في تاريخ الحضارة.

والآن يمكننا أن نلخِّص هذا الفصل بأن نقول: إن تأثير اليهود في تاريخ الحضارة

صِفْرٌ، وإنه واسغ من الناحية الخُلقية، وإذا كانت البشرية لا تزال سائرة وراء الأوهام على

الخصوص، وجب علينا أن نعترف بأنه خرج من صدر اليهود وَهْمٌ من أشد ما ساد العالم

هوْلًا؛ فقد خضع الغرب لسطانه نحو ألفَيْ سنة، وسيظل خاضعًا له عدة قرون لا ريب،

ولا يزال ممثِّل المبادئ التي جاء بها نجَّارٌ في قرية صغيرة من بلاد الجليل أقوى ملوك

الأرض، ذلك الممثل الذي تُعَدُّ مراسيمه خالية من شائبة الخطأ، والذي يُذعن لسلطانه

ثلاثمائة مليون من الناس.

واليهود لما كان من نفوذهم المذكور غير المباشر في العالم، نخصِّص لهم صفحات

قليلة في تاريخ الحضارات الأولى، وإن لم يستحقوا أن يُعَدُّوا من الأمم المتمدنة بأي وجهٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت