كان بنو إسرائيل من الساميين، أي من العِرق الذي كان ينتسب إليه الآشوريون والعرب.
ومن المقرَّر اليوم أن بلاد العرب الوسطى والشمالية كانت مَهْد الساميين، ولكن
بينما ظل معظم الساميين منتشرين في جنوب جزيرة العرب، هاجَرَ فريقٌ منهم إلى
الشمال موغلًا في بلاد بابل، حيث كان السلطان لحضارة السومريين والأكاديين، فأقاموا
بها من الزمان ما أشُبِعُوا فيه من تلك الحضارة، ثم كَثُر عددهم فهاجروا من جديد في
أدوارٍ مختلفةٍ، فتقدموا نحو الشمال أكثر من قبلُ وتقدَّموا نحو الغرب.
والساميون الذين بقوا في بلاد العرب هم أجداد الشعب العربي، والساميون الذين
مروا من موطن الحضارة في الفرات الأدنى وانتشروا في جميع آسيا السابقة، هم الآشوريون
والإسرائيليون.
ولم تثبت إقامة أجداد بني إسرائيل بما بين النهرين من أحاديثهم التي جاء فيها
نبأ خروج إبراهيم من مدينة أوُر في كَلْدَة فقط، بل ثبتت أيضًا بالآثار التي ظلت باقية في
معتقداتهم وطبائعهم من ديانة السومريين والأكاديين وعاداتهم.
وفيما كان سامِيُّو الجنوب، أي الأهالي العرب، يحافظون على عبقرية عِرْقهم النقي
من كل تأثير أجنبي، فلا يزالون يَبْدُون لنا مثال أولئك البدويين ذوي المبادئ البسيطة
والعبادة القليلة التعقيد والطبائع الفطرية الثابتة التي نتمثلها وَفْقَ ما جاء في سِفْر
التكوين من الأوصاف، كان سامِيُّو الشمال يعقدون نظامهم الكوني فيثقلون عبادتهم
بالشعائر والجزئيات، فينتحلون طائفةً من الآلهة المجهولة في البادية، ويشيدون المدن
ويضعون مختلف النظم ويحاولون تأسيس أممٍ منظمةٍ قويةٍ على غرار الأمم التي بهرتهم
فنونها وعلومها فقلبت خيالهم.
والعرب في إبَّان سلطانهم الكثير الاتساع وفي عهد حضارتهم العظيمة، ظلوا في
مبادئهم العامة وعبادتهم أبسط من الآشوريين والفنيقيين واليهود مع ذلك، والإسلام بعد
كل شيء هو الدين الوحيد الوثيق التوحيد الذي جاء به الساميون، وهو الدين الوحيد
الخالي من أي أثرٍ لوثني، وهو الدين الذي يرفض الأنصاب رفضًا تامٍّا.
ولله في سُموه وجلاله وروحه هو خلاف يَهْوَه الضاري الذي لم يكن بغيرته وغضبه
وهزال انتقامه غير أخس صغيرٍ لمُولك وكامُوش.
ومحمدٌ، حين قال بالنظام الكوني اليهودي، لم يقل في الحقيقة بغير نظام قدماء
الكلدانيين الكوني، ووجدت مبادئ الساميين المبهمة جسدًا في تلك المذاهب المادية المعينة
التي لم يكونوا مخترعين لها، والتي لولاها لتعذَّر عليهم أن يكونوا ذوي هيمنة على روح
الآريين الإيجابية التصويرية.
وهكذا يُثبِت ما يُشاهَد من الفَرْق بين ساميِّي الجنوب وساميِّي الشمال، أن ساميِّي
الشمال ابتعدوا عن مثال عِرْقهم الأصلي لاتصالهم الطويل بأممٍ أرقى منهم كثيرًا، وتثبت
قصة التوراة، وتثبت بأحسن من ذلك آثارُ المعتقدات الكلدانية الواضحة، والنظام الكوني
المقتبس من بابل، أن تلك الأمم التي أقام ساميِّو الشمال بينها هي الأمم السومرية
والأكَّاديَّة، أي الآدميون الذين استقروا منذ القديم بسهول الفرات الأدنى.
وبنو إسرائيل، بعد أن تركوا أولئك، أقاموا بوادي الأرُْدُنِّ القليل الأهمية في الظاهر،
وذلك في أحوال بالَغَ مؤرخوهم في روايتها.
ولم يَجُلْ بنو إسرائيل في البحر كما كان يجول جيرانهم الفنيقيون؛ وذلك لأنهم
لم يكادوا يكونون سادةً للساحل، وكان قد جاء من إقْرِيطش، على ما يظن، شعبٌ غير
ساميٍّ يُعرَف بالفلسطينيين فملك الساحل واستوطنه بنشاط، واليهود لم يملكوا من
الساحل لطويل زمنٍ سوى القسم الممتد من يافا إلى رأس الكَرْمل، وهناك يقع سهل
شارون العجيب الذي تمتد مروجه وحصائده إلى البحر، غير أن الشاطئ نفسه رملي قليل
الإصلاح لإنشاء مرفأ فيه.