لا يبدأ تاريخ اليهود بالحقيقة إلا في عهد ملوكهم.
كان بنو إسرائيل أقل من أمةٍ حتى زمن شاوُل، كانوا أخلاطًا من عصابات جامحة،
كانوا مجموعةً غير منسجمة من قبائل ساميَّة صغيرة أفَّاقة بدوية، تقوم حياتها على
الغزو والفتح والجَدْب وانتهاب القرى الصغيرة، حيث تقضي عيشًا رغيدًا دفعة واحدة في
بضعة أيام، فإذا مضت هذه الأيام القليلة عادت إلى حياة التِّيه والبؤس.
وتكوَّنت زمرة بني إسرائيل الساميَّة كجميع العشائر، فكانت مؤلَّفةً في بدء الأمر من
أسُْرَة واحدة ذات جَدٍّ واحدٍ، وهذا الجَدُّ كان يُدعَى لدى بنى إسرائيلَ بيعقوبَ أو إسرائيلَ،
وإسرائيلُ هذا هو من ذرية إبراهيمَ - وإبراهيمُ هذا كان أول مَن هجر كَلْدَة من عِرْقة
طلبًا للرزق.
وهنالك عددٌ غير قليل من الأقوام الصغيرة، كالأدوميين والعمونيين والإسماعيليين،
يرجعون أصلهم إلى إبراهيم، ويزعم العِبريون أنهم وحدهم ذرية إبراهيم الشرعيون مع
اعترافهم بقرابة الآخَرين لهم.
ولم يقع انقسامٌ في الأسرة الرئيسة بعد يعقوب الملقَّب بإسرائيل، فسُمِّيَ أعضاء هذه
الأسرة ببني إسرائيل لذلك السبب.
ودفع القَحْطُ يعقوبَ وبنيه إلى دخول مصر في عهد الملوك الرعاة، فأقاموا بالدلتا
وكثر عددهم واستعبَدَهم المصريون، فسئم أبناؤهم من بؤسهم، فاغتنموا فرصةَ فِتَنٍ
اشتعلت ففروا من بلاد العبودية بعد عهد سِيزُوسْترِيس الكبير بزمنٍ قليل.
ولحق ببني إسرائيل عدد من المصريين الساخطين، ومن الأسارى ومن العبيد
المتمردين، ولما جاوز بنو إسرائيل بحر القُلْزُم بدوا عشيرةً، أي جماعة مُصِرَّةً على الظهور
بأنها نسل رجلٍ واحدٍ، وإنْ كانَتْ فاتحةً صفوفها بالحقيقة لجميع الفُرَّار المستعدين
لانتحال اسمها وتقاليدها ومعبوداتها الأهلية.
وفي البداءة وجد بنو إسرائيل حياة البداوة التي أضاعوا عادتها قاسيةً، فثاروا على
الزعيم الذي اختاروه غير مرة.
وكان هذا الزعيم الذي تدعوه القصة بموسى- وهو الذي لا نعرف اسمه الحقيقي
على ما يحتمل - من المهارة ما حَمَلَهم به على الإيمان بأنه ذو صلة بالسماء، فيأتيهم
بالأوامر من إلهٍ خاصٍّ، من إله قبيلتهم، وذلك ردٍّا لهم إلى النظام، واهتبل موسى فرصةَ
هبوب أعاصير هائلة فوق سيناء وعلى جوانبه، فألقى في رُوع عصابة العبيد تلك هَوْلًا
شافيًا، ما دامت سماء مصر الصافية وآفاقها المبسوطة لا عَهْدَ لها بما تعرفه البلاد الجبلية
من العوارض الطبيعية.
وجزيرة سيناء، إذ كانت بالحقيقة فقيرةً جديبة إلى الغاية، لم تصلح لإعاشة أهل
البدو أيضًا، فتوجَّه بنو إسرائيل إلى الشمال وحاولوا دخول أراضي الشعوب الكنعانية
الصغيرة، وهم لمَّا دنَوْا من هذه الأراضي بَهَرَهم خصبها، فاشتعلت نيران الحسد في
قلوبهم.
وتلك هي حال غنى البلاد المجاورة للأردن في ذلك الحين، ولم تلبث الرعاة التائهة
التي خرجت من جزيرة العرب طلبًا للمراعي أن استقرت بها، تاركةً طبائعها الرعائية
لتكون زُمَرًا زراعية.
وعانَى العبريون مثل هذا التطور، فتحولوا من أناس بدويين إلى أناس حَضَريين
عندما رسخت أقدامهم في تلك الأراضي التي كانت محطَّ أحلامهم، في أرض الميعاد، تلك
التي طمعوا فيها غِلاظًا مدةً طويلةً.
ولم يكن هنالك فتحٌ بالمعنى الصحيح على الرغم من أقاصيص مؤرِّخيهم المملوءة
انتفاخًا، ومن تعداد الانتصارات وتقتيل الأهالي وانهيار أسوار أريحا بالنَّقْر في النواقير،
ووَقْف يُوشَع للشمس إمعانًا في الذبح.