وتجد كتبهم المقدسة حافلةً بالنعوت الرِّعائية وبالمقايسات والأمثلة المقتبَسَة من حياة
الفلَّاحين والرعاة، وكان لأولئك القوم شعور بالطبيعة إلى درجة بعيدة، وأراد مؤلِّف سِفْر
الملوك أن يوجِّه نظرَنا إلى كثير من أمثال سليمان ونشائده، فقال: «وتكلَّم في الشجر من
الأرَز الذي على لبنان إلى الزُّوفىَ التي تخرج في الحائط، وتكلَّم في البهائم والطير والزحافات
والسمك.»
ولم يَمَّحِ الساميُّ البدوي حتى بفعل القهر والعادة، وهو الذي لم يغادر صحاري
جزيرة العرب إلا قاصدًا سهولَ العراق المحرقة، وهو الذي أبصر في مصر أراضي مستوية
تقطعها القنوات من أرض جاسان، وهو الذي بهرته أماكن فلسطين المختلفة وتلالها
الضاحكة ومحاصيلها المتنوِّعة.
وإليك كيف يُنبئ النبي إِرْمِيا بخلاصهم من إسارة بابل:
هكذا قال الرب: إني أَبْنِيكِ بعدُ، فَتُبْنَيْنَ يا عذراء إسرائيل! تغرسين بعدُ كرومًا
في جبال السامرة، فيغرس الغارسون ويبتكرون.
فيأتون ويُرَنِّمون في مرتفع صَهْيُون، ويَجرون إلى جُود الرب إلى البُرِّ
والسُّلاف والزيت وأولاد الغنم والبقر.
وظل بنو إسرائيل قومًا من الزُّرَّاع والرعاة حتى بعد صِلتهم الطويلة بالحضارة
الكلدانية الساطعة، حتى بعد إقامتهم بمصر، وما فتئت العادات القديمة التي اتفقت لهم
في المراعي الابتدائية الواسعة والطبائع السامية البسيطة تستحوذ عليهم، ولم تؤدِّ المؤثرات
الأجنبية - التي أبصرناها في طبائعهم وديانتهم، فيختلفون بها عن إخوانهم عرب البادية
-إلى غير تغيير سطحي فيهم من حيث النتيجة.
وبقي بنو إسرائيل، حتى في عهد ملوكهم، بَدَويِّين أفَّاقين مفاجئين مُغِيرين سفَّاكين
مُولَعين بقطاعهم، مندفعين في الخصام الوحشي، فإذا ما بلغ الجَهْد منهم ركنوا إلى خيالٍ
رخيصٍ، تائهةً أبصارهم في الفضاء، كسالى خالين من الفكر كأنعامهم التي يحرسونها.
وإذ كان بنو إسرائيل متمردين على الفنون تمرُّدًا مطلَقًا، ولم يكن لهم غير ميلٍ هزيلٍ
إلى حياة المدن، فإنهم لم يقيموا معابد وقصورًا إلا عن غرور، والذي كان بنو إسرائيل
يفضِّلونه بعد الذبح والتقتيل هو «السكون تحت شجر العنب والتين» على حسب تعبيرهم.
وعيدُ المَظَالِّ هو أجمل أعيادهم، وفي هذا العيد الذي يدوم ثمانية أيام كانوا يغادرون
بيوتهم ليعيشوا في ملاجئَ مرتجلةٍ مُذكِّرة بحياة البادية.
وإذا ما أريدت معرفة الإسرائيلي كما هو، وجب ألَّا يُحكَم فيه بآثاره المكتوبة التي
ليس معظمها سوى ذكريات من كلدة، بل يجب أن يُزال عنه أثر الحضارة الخفيف الذي
عانَى كثيرًا من اقتباسه من الدول القوية التي عاش فيها، وأن يُنظَر إلى مكانه من خلال
سِفْر التكوين مثلًا، حيث وُصِفَتْ حياته المفضَّلة، حياة الرعاء، أو أن يُبحَث عنه في السكان
الحاليين بالبقاع التي استولى عليها، وفي القبائل البدوية الصغيرة بشمال جزيرة العرب
وبسورية، تلك القبائل التي لم تُغيِّر طبائعها وعاداتها منذ ستة آلاف سنة أو ثمانية آلاف
سنة.
ولم تكن فلسطين، أو أرض الميعاد، غير بيئة مختلفة لبني إسرائيل، فالبادية كانت
الوطن الحقيقي لبني إسرائيل، والبادية، لما عليه من نمطية وسكون منظرٍ وحياةٍ واحدةٍ
وصلاحٍ لأبسط الاحتياجات، وقد وسَّعت روح الساميين وبسَّطَتْها، فألقت فيها الشعاع
الخالد الهادئ لآفاق لا حدَّ لها.
والبادية، بجعلها خيال الساميين عقيمًا عُقْمَ ترابِها، لاشَتْ فيهم بذور مختلف
الخرافات التي استحوذت على النفس البشرية في أماكنَ أخرى، لمشابهتها النبات الخَطِرَ
حتى بزخره، والساميون بما لديهم من مبادئَ دينيةٍ عاطلةٍ من أيَّة صورة محسوسة،
ابتدعوا بفضل البادية الربَّ البعيد الجليل الأزلي الذي لاحَ فيما بعدُ ذا صفاء خالص
روحي، لتعذُّر تعريفه وتشخيصه، فبَسَط سلطانَه على أمدن أمم العالم.
والإسرائيلي قد خسر، ذات مرة، ذلك الرب بازدحام خرافات مصر وآسيا فيه، بَيْدَ أن
أنبياءه آذَنُوه، فغدا أولادُ يعقوب قادرين على هداية الناس إلى إيمانهم بردهم إلى عَنْعَنَاتهم
السامية الخالصة.