الصفحة 27 من 41

الفصل الثالث

دين بني إسرائيل

لم تكن الديانة اليهودية في كل زمن مطابِقةً لما نسميه اليوم باليهودية.

وكان لا بد من انقضاء قرون طويلة قبل أن تصبِحَ مناحي الساميين التوحيدية

الموحدة في كونية بابل، والمحررة بالتدريج من الإشراك الآسيوي؛ الدينَ الذي زاوله اليهود

منذ يسوع المسيح والذي يُردُّ إلى زمن العودة من إسارة بابل تقريبًا.

ولا شبه بين إله اليهود الراهن، الذي يُوَحَّدُ بأبي المخلِّص إله النصارى، وإله سيناء

يَهْوَه الذي يراد اشتقاقه منه، وهو أكثر مشابَهةً من ذلك بإله الرعاة الغامض الكبير

إلُوهِيمَ، الذي لا تجد له شخصية يَهْوَه الضيقة الشديدة.

وإلوهيم هو الاسم الذي نراه قد أطُلِق بالحقيقة على الألوهية في أقدم أسفار اليهود.

ولا يمكن أن يقال إن إلوهيم هو إله واحد؛ لجَمْعيَّة اسمه، ولأن جميع الكلمات التي

ترجع إليه قد وردت بصيغة الجمع.

فبنو إسرائيل كانوا يعبدون إذن إلوهيماتٍ في أثناء حياتهم البدوية التي قضتها

أجيالهم الأولى.

ولذلك لا ينبغي أن يُطْلَبَ من هذا الشعب البسيط تعريفٌ وثيق لموضوع عبادته،

ولمبادئ الروح الساميَّة ما لآفاق الصحراء من الوجه الفخم النمطي المبهم، والروح

السامية لا تحدد شيئًا، والروح السامية لا تحتوي شيئًا على أوجه واضحة مقررة كثيرة

كالتي أسفر عنها الخيال الآري بسهولة، واليوم لا تجد لدى البدوي الحاضر سوى دين

مبهم يكترث له، وذلك على الرغم من إسلامه الظاهر.

وما كان من فقدان الأوثان بين الساميين ومن احتياجهم إلى البساطة، فقد كان

يُعدهم إلى التوحيد فانتهوا إليه بسرعة.

على أن من الإفراط في التوكيد أن يُخلَط توحيد حياتهم الابتدائية المبهم بما أعلنوه

بعد زمن من الإيمان بإله واحد.

والحق أن إلوهيم الأجيال القديمة السَّديميَّ العاطل من الجنس والاسم، والواحد

والمتعدد في آنٍ واحد، يقرب من إله الأديان الكبرى الحديثة العام أكثر من قُربه من يَهْوَه

الجائر الذي يقطر من دم الشعوب المذبوحة، ومن لحم القرابين، والحامي الوثيق لشعبٍ

صغير هزيل، والأخ لمُولَك وبَعْل.

ومن الصعب، مع ذلك، أن يُسْهَبَ في بيان دين اليهود الابتدائي؛ وذلك لأننا لا

نستطيع أن نحكم في أمره إلا من خلال حال شعوب الجنوب السامية، أي شعوب ذلك

العرق التي لم تُعَانِ نفوذَ الأجنبي.

ومهما نَعُدْ بعيدًا إلى تاريخ سامييِّ الشمال - العمونيين والإسماعيليين واليهود -

لم نستطع أن نعرف من ديانتهم غير ما كان عقب إقامتهم بما بين النهرين، تلك الإقامة

التي طُبِعت بطابع الفكر الكلداني الثابت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت