واليهود، على خلاف معظم الشرقيين، كانوا يخشون الموت؛ لما لا يُبصرون وراءه
سوى راحةٍ كئيبةٍ في مكانٍ مظلم، فكانوا يحتفلون بعيد الحياة احتفالَ تمجيدٍ، فيبكون
مَن يفقدونهم مُبدِين من الألم المفرط ما وجب منعه.
وكانوا يولولون وينتحبون ويضربون صدورهم ويشقون ثيابهم ويغمرون أنفسهم
بالرماد إظهارًا لحدادهم، ولا مبالغة في الألم يوم المأتم كما يظهر، وكان الميت يُنقَل إلى
قبر الأسرة المنحوت في الصخر، فيستقبله آباؤه كما جاء في التوراة.
وكانت المظاهر الصاخبة تظهر في الفرح ظهورها في التَّرَح، ومن ذلك أن داود أبدى
من السرور، حين جلب إلى أورشليم تابوت يهوه، ما خَلَع معه ثيابه وأتى من الوثوب
بما أوُتِي من قوة، صاخبًا صخب الفرح، مسيئًا لزوجته ميكال بنت شاول إساءةً عدَّتْه
مجنونًا من أجلها!
وإذا أريد تلخيص مزاج اليهود النفسي في بضع كلمات كما يُستنبَط من أسفارهم،
وُجِد أنه ظل على الدوام قريبًا جدٍّا من حال أشد الشعوب ابتدائية؛ فقد كان اليهود عُنُدًا
مندفعين غُفَّلًا سُذَّاجًا جُفاةً كالوحوش والأطفال، وكانوا مع ذلك عاطلين في كل وقت من
الفتون الذي يتجلَّى في سِحْر صِبَا الناس والشعوب، واليهود الهمج إذ وُجِدوا من فورهم
مغمورين في سواء الحضارة الآسيوية المسنَّة الناعمة المفسدة، أضحوا ذوي معايب مع
بقائهم جاهلين، واليهود أضاعوا خلالَ البادية من غير أن ينالوا شيئًا من النمو الذهني
الذي هو تراث القرون.
وإذا أرِيد وصف المجتمع اليهودي من ناحية النُّظُم، أمكن تلخيصه في كلمتين وهما:
نظامٌ رعائيٌّ من طبائع المدن الآسيوية الهَرِمة وذوقها وعيوبها وخرافاتها.
ويُعرِب حِزْقيال عن ذلك الرأي في الفصل السادس عشر، حين يذكر ظهور الشعب
اليهودي الحقير وأوائله الهزيلة وما عقب استقراره بفسلطين من الحُمَيَّا، فيقول مخاطِبًا
تلك الأمة العاقة قائلًا باسم يَهْوَه:
وفي جميع أرجاسك وفواحشك لم تذكري أيام صِبَاك، وإذ كنتِ لم تشبعي
زَنَيْتِ مع بني آشور ولم تشبعي، فلذلك أقضي عليك بما يُقضَى على الفاسقات
وسافكات الدماء، وأجعلك قَتِيلَ حَنَقٍ وغَيْرةٍ.