الصفحة 25 من 41

ويمكننا أن نُبصر، من خلال الاحترام الممزوج بالدهش في وصف المؤرخ لِتُرُوسِ

الذهبِ التي زيَّن بها سليمان قصره، ولعرشه العاجي المرصَّع بالذهب وآنيته الذهبية،

درجة ما كان يمكن أن يؤثِّر به مثل هذه النفائس في روح العبريين الساذجة.

ومن الطريف أن يُلاحَظ منذ ذلك الدور سرور اليهود في عرض الأموال والنفائس

عرضًا غليظًا، وفي اتخاذ المصنوعات الفنية الثمينة بفعل التقليد.

ولم يَجْرِ على فم مؤلِّف سِفْر أخبار الأيام الثاني غير كلمة الذهب في وصف مظاهر

الترف لدى سليمان، وقد كُرِّرت هذه الكلمة اثنتي عشرةَ مرةً في بضعة أسطر:

عمل الملك سليمان مائتي مِجْنَب من ذهبٍ مطروق، للمِجْنَب الواحد ستمائة

مثقال ذهب مطروق، وثلاثمائة مِجَنٍّ من ذهب مطروق، للمِجَنِّ الواحد

ثلاثمائة مثقال ذهب، وعمل الملك عرشًا كبيرًا من عاج وألبسه ذهبًا خالصًا،

وكان للعرش ست درجاتٍ مع موطئٍ من الذهب، وكانت جميع آنية شرب

الملك سليمان ذهبًا، لم يكن فيها فضة؛ إذ لم تكن الفضة تُحسَب شيئًا في أيام

سليمان.

وما كان من عرض ذلك الذهب بجميع الأشكال في القصور والهيكل العاطل من

كل جمال فني، فيدل على الروح اليهودية الساذجة الغليظة.

والتجارة كانت مصدر تلك الثروات، ولا سيما في دور التجارة البحرية، تلك التي

جرَّبها سليمان تجربةً لم تَدُمْ طويلًا، وما كان بنو إسرائيل ليفكِّروا في أمر البحر؛ فقد

كان ما يتخذه الملك من السفن والملَّاحين يُؤخَذ من فنيقية، كما كان يُؤخَذ خشب الأرز

والبنَّاءون منها لشيد الهيكل.

«وأرسل له حيرام على أيدي عبيده سُفنًا وعبيدًا عارفين بالبحر، فأتوا أوُفِيرَ مع

عبيد سليمان، وأخذوا من هناك أربعمائة وخمسين قنطارًا من الذهب.

وكان للملك في البحر سفن تَرْشِيش مع سفن حِيرَام، فكانت سفن ترشيش تأتي

مرةً في كل ثلاث سنين، حاملةً ذهبًا وفضةً وعاجًا وقِردةً وطواويس.»

ولم تختلف بيوت بني إسرائيل قطُّ عمَّا يُشاهَد اليوم في سورية، فكانت بيوت

الموسرين من الحجارة وبيوت المعسرين من الآجُرِّ.

وكانت تلك البيوت بسيطةً في داخلها، وكان رياشها يتألَّف من سُرُرٍ وموائدَ ومقاعدَ

وقواريرَ عطور عادية مادةً وشكلًا كما يظهر.

والنظافة هي الترف الأول الذي حاوَلَ المشترعون نشره بين بني إسرائيل، فلاقوا

كبير أذى في الوصول إلى ذلك، والنظافة كانت أمرًا ضروريٍّا لذلك الشعب الوخيم أكثر

مما لأي شعبٍ آخَر؛ وذلك لكيلا تقرضه القروح والجَرَب والقُوباء والجُذام، وآية تراث

بني إسرائيل المستقلة عن مواعيد يَهْوَه المشكوك فيها، هي الدم الفاسد الذي من شأنه

أن يستر بنو إسرائيل بالأمراض الجلدية على الدوام.

ولاحَظَ مشترعو بني إسرائيل أن لحم الخنزير واللحوم الدامية والحيوانات الهُلامية

-اللافقرية - والمَحَار مما يؤدي إلى زيادة الأمراض الجلدية، فحرَّموا عليهم هذه

الأغذية لهذا السبب لا ريب، وكان أكل الخنزير مما يمقته يَهْوَه، وكان لا يجوز استعمال

لحم المواشي إلا بعد استنزاف كل دم منه.

وكان لا بد من الأوامر الشرعية الصارمة لمنع بني إسرائيل من أكل لحم الكلب

والميتة وجميع أنواع الأوساخ.

وكان التطهير والغُسل مما أمُروا به، وغدا الختان تدبيرًا صحيٍّا، ووجب على النساء

أن يقمن بالعناية الشديدة في كل حال تقضي الطبيعة عليهن به من الدَّنس المحتوم.

ويحمل كل واحد من هذه التدابير مؤيدًا دينيٍّا، فتُعَدُّ مخالفته أمرًا مرهوبًا. وفي

سِفْر اللاويين فصول تامة خاصة بوصف الأمراض الجلدية وبوقايات العَزْل الضرورية؛

منعًا لسريانها بالعدوى، فإذا أصُيب المرء ببثرة وجب عليه أن يَمْثُلَ أمام الكهنة ليقرِّروا

خطر الإصابة أو عدمه، وكان لا مَعْدِل عن حرق ثياب المرضى والأدوات التي يمسونها.

ولولا مثل هذه الوقايات ما وُفِّق بنو إسرائيل للبقاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت